الرئيسية / على الهامش / المعارضات في الأدب العربي

المعارضات في الأدب العربي

ثم يأتي العصر الإسلامي في آخر الخلافة الراشدية فيقف جمع من الشعراء في صف علي بن أبي طالب رضي الله عنه كما يقف آخرون في صف معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه كالأخطل وجرير وجعيل كما وقف شعراء كثيرون منهم عمران بن حطان الخارجي فيما بعد وشاعر آل الزبير عبد بن قيس الرقياتفي صف علي وقد أهدر الأمويون دمه فيما بعد وقد شفع له عبد الله بن جعفر بن أبي طالب عند عبد الملك بن مروان فأمنه ومنهم الكميت شاعر آل البيت الذي جعل الأمر منافسة بين اليمانيين والقحطانيين العدنانيين حيث يقول في قصيدته المشهورة:

ألا حييـــــــــــت عنا يا مدينا *** وهل باس بقول مســلمينا
لنا قمرا السمــــــاء وكل نجم *** تشير إليه أيدي الناظرينا
وجدت الله إذ سمـــــى نزارا *** وأسكنهم بمكة قاطـــــنينا
لنا جعل المكارم خالصــــات *** وللناس القفا ولنا الجبــينا
وما ضربت هجــائن من نزار *** عوالج من فحول الأعجمينا
وما حملوا الحمير على عتاق *** مطهرة فيلـــــفوا معلمينا

إلى أن يقول يعني اليمنيين حيث لم يبق بيت من اليمنيين إلا هجاه:

فأما الإزد إزد بني سعيد *** فأكره أن أسميها المزونا
فأي عمارة كالحي بكــر *** إذا اللزبات لقبت السنينا

إلى أن يقول:

وكان يقال إن بني نزار *** لعلات فأمسوا توأمينا

إلى أن يقول:

ولو جهزت قافية شرودا *** لقد دخلت بيوت الأشعرينا

وهي تبلغ 300 بيت وقد ذكر بعض ما ورد في رسائل بين علي ومعاوية رضي الله عنهما في المصادروقدأ ضربنا الذكر صفحا عنه مخافة الوقوع في محذور. وبعد الخلافة الراشدية كانت الشعراء تنقسم إلى فريقين فريق مع الدولة الأموية (شعراء البلاط) وفريق مع الهاشميين ومن والاهم وقد بلغت المعارضات في هذا العصر رشدها حيث استمرت نقائض جرير والفرزدق ومن معهما في الطرفين أربعين سنة. والسبب الرئيسي لهذه المعارضات أن فتية من بني يربوع (بني ذهيل) اطردوا إبلا للبعيث الهاشمي الهواء ثم إن جريرا قال معرضا بذلك وهاجيا للبعيث قصيدته التي مطلعها:

طاف الخيال فأين منك مناما *** فارجع لزورك بالسلام سلاما

فثار البعيث فقال رادا عليه من قصيدة له:

أجرير أقصر لا تحن بك شقوة *** إن الشقي ترى له أعلاما

وتبعه الفرزدق منتصرا للبعيث على جرير حيث يقول:

ألا استهزأت مني مليكة إذ رأت *** أسيرا يداني خطوه حلق الحجل

وتبعه البعيث بأخرى على جرير في نفس الروي:

أهاج عليك الشوق أطلال دمنة *** بناصفة الحوين أو جانب الهجل

فرد عليهما جرير في نفس الروي:

عوجي علينا واربعي ربة النعل *** ولا تقتليني لا يحل لكم قتلي

ثم إن الأخطل في مجلس الأمير بشر بن مروان في الكوفة أشاد بالفرزدق وشعره فقال قصيدته النونية المشهورة ومطلعها:

بكر العواذل يبتدرن ملامتي *** والعالمون وكلهم يلحاني

إلى أن يقول فيها:

قبح الإله بني كليــــب إنهـــــــم — لا يحفظون محارم الجيران
تاج الملوك وفخـــــرهم في دارم — أيــــــام يربوع مع الرعيان
ثم تبعه الفرزدق في الروي معارضا لجرير فقال من قصيدة له:
يا ابن المراغة والهجاء إذا التقت *** أعناقه وتماحك الخصمان
يا ابن المراغة إن تغلب وائل *** رفعوا عناني فوق كل عنان

فأجابهم جرير بنقيضة في نفس الروي:

لمن الديار بـــــــــــبرقة الريحان *** إذ لا نبيع زماننا بزمان

إلى أن يقول فيها:

أنسيت ويل أبيك غدر مجاشع *** ومجر جعثن ليلة السيدان

ويشير في هذه الأبيات إلى غدر مجاشع رهط الفرزدق بالزبير بن العوام رضي الله عنه بعد وقعة الجمل وأشياء أخرى حيث يقول:

ونسيت أعين والرباب وجارة — ونوار حيث تصلصل الحجلان

تعليق: هؤلاء الأربعة هم أهل النقائض وحاملوا لوائها فجرير والفرزدق على الواجهة ولكل منهما مناصرين من الشعراء وهما المقدمان في العصر الأموي وأئمة الشعر فيه.
اللغة: ابن المراغة: الأتان، التماحك: التحاجز وارتفاع الأصوات.
والسيدان: ماء لبني تميم معروف.
كما تجدر الإشارة إلى موضوع ىخر وهو من رفعه المدح أو وضعه الهجاء في الأدب العربي ونبدأ بالعصر الجاهلي وبالتحديد مع زهير بن أبي سلمى في مدحه لهرم بن سنان المري وقومه في قصيدته التي مطلعها:

صحا القلب عن سلمى وقد كاد لا يسلو — وعري من سلمى التعانيق فالثقل

إلى أن قال متخلصا لمدح هرم وقومه:

إذا السنة الشهباء بالناس أجحـفت — ونال كرام المال في الحجرة الأكل
رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم — قطينا لهم حتى إذا نـــــــــبت البقل
هنالك إن يستخبلوا المال يخبلوا — وإن يسألو يعطوا وإن ييسروا يغلوا
وفيهم مقامات حسان وجــــوههم— وأندية ينبــــــــــــــــها القول والفعل
على مكثريهم رزق من يعتــريهم —- وعند المقـــــــــلين الساحة والبذل
وما يك من خــير أتوه فإنــــــما — توارثه آباء آبائهــــــــــــــــــم قبل
وهل ينبت الخــــطي إلا وشيجه — ويغرس إلا منابـــــــــــــــــتها النخل

التعليق: وقد استشهد النحاة بقوله: ونال كرام المال في الحجرة الأكل بتقدم المفعول على الفاعل للحصر وكذلك استشهد أهل اللغة بقوله يعتريهم فأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس رضي الله عنه أن نافع بن الأزرق سأل ابن عباس عن قوله تعالى (والمعتر) وهو الذي يعتر من الأبواب قال وهل تعرف العرب ذلك قال نعم أما سمعت قول الشاعر: على مكثريهم رزق من يعتريهم الخ…
وقد أورد زهير في هذا المقام في قصيدته أمثلة رائعة في مدح هرم بن سنان وقومه وجعلهم في قمة الكرم والسيادة وقد علل ذلك بقوله في قصيدته في البيتين الأخيرين:

وما يك من خير أتوه فإنما — توارثه آباء آبائهم قبل

فدلل على أن الكرم جاء وراثة وسجية معا وقوله:

وهل ينبت الخطي إلا وشيجه — وتغرس إلا في منابتها النخل

وقد أورد السيوطي في شواهد المغني أن أمدح بيت قالته العرب قول زهير في هرم بن سنان:

تراه إذا ما جئته متهللا — كأنك تعطيه الذي أنت سائله

ومن الشعراء من إذا مدح رفع فالأعشى واسمه ميمون بن قيس من أسد ربيعة بن نزار يكنى أبا بكير أدرك الإسلام وكان مولعا بالخمر من هؤلاء الشعراء الذين إذا مدحوا رفعوا وإذا هجوا وضعوا ومن غريب مدحه ورفعه لممدوحه أنه كان يزور سوق عكاظ كل سنة وكان بالقرب منها رجل يسمى عبد العزى بن خشية بن شداد وكان مئناثا وكان ذا خصاصة وكان مغمورا إلا أن زوجه قد استكشفت من الأخبار خبر الأعشى فقالت لزوجها ما يمنعك أن تتعرض لهذا الشاعر لعله أن يرفع بمدحه من شأنك ويذهب عنك الخصاصة ثم هيأت له الحال من خمر وشواء وغيره ثم إن عبد العزى هذا اعترض راحلة الأعشى قبل دخوله إلى موسم عكاظ فقال الأعشى لابنه من هذا الذي غلبنا علي زمام راحلتنا فقال عبد العزى ذلك سيد من سادات العرب فذهب به إلى منزله فأكرمه وسقاه وقدم له جميع الهدايا والتحف المتوفرة ثم جاء الليل وتحلقت الناس حول النار وكان الأعشى لا يعرف اسم الرجل ثم أمر بناته وبعض جواريه بإيقاد العود والغناء والرقص ثم إن الأعشى نظر إلى من حوله فرأى بنات (المحلق) وهو قريب من النار لشدة البرد فقال له من هؤلاء النساء قال هن بناتي وهجينهن قليل ثم بعد الصباح ودعه ودخل الأعشى سوق عكاظ فنصبوا له كرسيا يجلس عليه وقالوا له أنشدنا فأنشدهم قصيدته التي مطلعها:

أرقت وما هذا السهاد المؤرق — وما بي من سقم وما بي معشق
ولكن أراني لا أزال لحادث — أغادي بما لم يمس عندي وأطرق

ومنها في وصف الخمر:

تريك القذى من دونها وهي دونه — إذا ذاقها من ذاقها يتمطق

ومنها في تخلصه إلى الممدوح:

لعمري لقد لاحت عيون كثيرة — إلى ضوء نار في يفاع تحرقوا
تشب لمقرورين يصــــطليانها — وبات على النار الندى والمحلق
رضيعي لبان ثدي أم تقاســـما — بأسحم داج عوض لا نتــــــفرق
يداك يدا صدق فكــــــف مفيدة — وكف إذا ما ضن بالمال تنفق

ومنها:

ولا الملك النعمان يوم لقيته — بنعمته يعطي القطوط ويأفق

ومنها:

ابا مسمع سار الذي قد صنـــــعتم — فأنجد أقوام بذاك وأعــــــرقوا
وإن عتاق العيس سوف يزوركم — ثناء على أعجــــــــازهن معلق
به تنفض الأحلاس في كل منزل — وتعقد أطراف الحبال وتطرق

إلى أن يقول:

ترى الجود يجري ظاهرا فوق وجهه — كما زان متن الهندواني رونق
وأما إذا ماأوب المحلــــــــــــسرحهم — ولاح لهم من العشيا تســــــملق
نفي الذم عن آل المـــــــــــحلق جفنة — كجابية الشيخ العراقي تفهق
يروح فتى صـــــــــــدق ويغدو عليهم — بملء جفان من سديف تدقق

إلى أن يقول في آخرها:

ترى القوم فيها شارعين ودونهم— من القوم ولدان من النسل دردق
طويل اليـــــدين رهطه غير ثنية — أشــــــــم كريم جاره لا يرهق
كذلك فاقبل ما حيــــــــــيت إليهم — وأقدم إذا ما أعين الناس تبرق

تعليق: وبعد إنشاد القصيدة جاء المحلق فتلقاه الأعشى وأجلسه بجانبه ثم نادى بأعلى صوته يا سادات العرب هل من مذكار يزوج أبناءه بنات سيد قومه هذا فلم ينفض الجمع حتى خطبن كلهن وهذا من العجائب وقد سارت به الركبان كشعر الأعشى وللحديث بقية بإذن الله تعالى.

محمدن بن عبد الله

3 تعليقات

  1. موضوعات مفيدة وقيمة جدا جدا

    جزاكم الله خيرا

اترك رد