الرئيسية / مقالات / بحوث يعقوب بن عبد الله بن أبن / *أهل انيفرار يعزون أسرة أهل الزمراكي*
whatsapp-image-5

*أهل انيفرار يعزون أسرة أهل الزمراكي*

زار وفد من أهل انيفرار مساء الأمس منزل أهل الزمراكي في العاصمة، لتأدية واجب العزاء إلى الأسرة الكريمة إثر وفاة الشيخ المربي البركة أحمد باب بن امين بن الزمراكي رحمه الله.

وقد تألف الوفد من السادة: السناتور الدكتور محمد سالم بن محمد سيديا؛ المهندس عبد الله بن ببها؛ المدير المركزي والوجيه أحمدو بن آكل بن الشيخ أحمد الفال؛ الدكتور محمد فال بن محمد محمود بن زياد؛ الأديب المصقع سلامي بن محمدن بن النجيب؛ الأديب اللبيب محمد العاقل بن امين بن داداه؛ وامعاهم صاحبكم هذا ستره الله في الدنيا والآخرة.

وقد تزامن وصولنا مع قدوم وفد من أخوالنا بني جد علي يضم أكفاء كراما، وبهاليل شم العرانين، هم: العلامة الدكتور محمدن بن سيد محمد بن حمينَّ؛ والسيد الهمام محمدن بن محمدو بن اوَّا؛ والقاضي شيخنا بن أحمدُّ بن التاه بن حمين.

فجلسنا إلى بعضنا، ونظرا لتناغم الطبع وانسجام الطباع، فقد شكلنا وفدا موحدا، قدمه السناتور ميماه إلى السيد شيخنا بن امِّين بن الزمراكي قائلا:

“هذي صرب من ذي تشمش الكبلي فيه كوم من أهل اسبيخات وكوم من أهل انيفرار جايين إعزو وامعاهم حد عندو مرثية”.

فتبسم الشيخ ورحب بنا وعزانا بدوره ثم أشار ميماه إلى الأديب سلامي بن محمدن فأخرج هاتفه من جيبه، وألقى قصيدة عصماء اختار لها بحر الكامل وروي الباء معه ألف وصل ناشئ عن إشباع الفتحة على الروي.

انتقى الأديب سلامي ألفاظ قصيدته بعناية ومعانيها بدراية، والحمد لله أنني سمعتها خلال الطريق مرتين، وإلا لما استطعت أن أمسك نفسي عن التفاعل معها والإشادة بها بين البرانيين.

سلامي شاعر فحل وناقد ذكي، ملم بدقائق الصنعة الشعرية، وقد لاحظت أنه وازن في مرثيته بين الغرض والأسلوب، فرثاء العارفين بالله ومشايخ التربية وأرباب التصوف يتطلب الجزالة والرصانة، لأن المقام مقام مهابة وتعظيم، لا مقام تكسر وترقيق، وهذا أمر يفوت على الكثير من الشعراء، وقد قال أهل البلاغة إن مدار الفصاحة على مراعاة مقتضى الحال، فليست جودة الكلام في ذاته، بل في موافقته للمقام الذي سيق له.

يقول سلامي في رثاء الشيخ أحمد باب بن أمين بن الزمراگي:

خطبٌ أناخ بذا الجناب أصابا
قُنَنَ البيوتِ وقوّض الأطنابا

منه أصاب الخمسَ وقعٌ هدّها
ذا الشيبِ أربك والوليـدَ أشابا

والسّادة الأشراف ثَلْمُ مُصابه
منهم أصاب جحاجحا أقطابا

هـا قد مضى علمُ المكارم والنُّهى
جَمُّ الخصال الشيخُ أحمد بابا

شمس توارت بالحجاب فخلّفت
في كل قلب حسرةً وضبابا

شيخٌ تربّع في الفخار مُظاهرا
درع العلا والبُردَ والجلبابا

في كل مُحكمة الدلاص حصينـةٍ
بالمجد يلقى كل أمر نابا

مــن بيت عزّ في ذَراه تجمعت
غرّ الخصال فأحرز الألقابا

قصبَ السباق حواه في العليا وقد
ضمّ الأخين الديـن والأحسابا

والشيخَ أمِّينَ احتوى إرثًـا له
من يمنه قد خلف الأصحابا

من أسرة الزمراگي حلّ بمنــزل
أخْلِقْ به أن يبلغَ الأسبابا

قانا مكارمَ أسرتين كلاهما
فاق الأنام وحيّرَ الألبابا

فالشيخُ فيه حسنّ فردُ زمانه
والشيخ سعد أبيه فرعٌ طابا

والماجدون الأكرمون بنو أبي
زيد فقلْ لا تختشِ الإطنابا

قومٌ إذا لزِبت بقوم أزمة
كانوا حيًا مُستوكَفا وسحابا

فترى رغائبهم تسحُّ هواطلًا
وترى أكفهُمُ لها ميزابا

يا سيّدًا ولّى كريما ماجدا
يا بدر صحوٍ بعد تمّ غابا

يا بحر علمٍ شقّ خائضُ لُجَّهُ
من كلّ أصناف العلوم عُبابا

ليهنِـك الخَلف الكريمُ فإنهـمْ
فصلٌ لما قد كنت فيـه البابا

أقمارُ عزّ شَـربُ كأس مكارم
دارت فلا لغوٌ ولا كِذّابا

ذا “شيخنا” للمجد معْ أصنائه
الجامعون الفضلَ والآدابا

شرف يميّزهم وهذا عرقهم
من آل خون يكمّلُ الإعرابا

يا رب فاحفظهم وأكرم نزله
جذلانَ يأخذ باليمين كتابا

جارًا لأحمدَ مُكرما ومزارَه
قرّبْه منه وقارب الأعتابا

ثـمّ الصلاة على الحبيب وآله
والصحب فاحت عنبرًا ومَلابا

اهتز المجلس طربا للقصيدة وأثنوا على صدق عاطفتها وصدق الصفات الواردة فيها وأمنوا على دعاء الشاعر، واستأذنا من الشيخ فقد كانت العديد من الوفود بالباب تنتظر دورها في تقديم واجب العزاء والمواساة، في هذا المصاب الجلل.

قلت لسلامي أثناء طريق العودة عني ازيانت عندي تكريبتو الذو الخلط في مطلع قصيدته: خطب أناخ بذا الجناب، فأهل إكيد يشيرون عادة ب “هذا” إلى داني القرابة. فضحك وقال لي كنت نعرف عنك لاهي تفطنله.

قلت له أيضا إني لاحظت في النسيج اللغوي للمرثية حضور ألفاظ ذات نفس جاهلي، لا تنتمي إلى لغة التداول المألوفة حاليا في الشعر والنثر، فابتسم وسكت.

ثم أخبرته إن الشيخ الأديب محمد فال بن عبد اللطيف أوصاني بإحياء بعض ممات اللغة العربية، خاصة تلك الألفاظ المنسابة الخالية من التنافر والتعقيد، مثل اليلندد للبخيل، والأدهم للقيد، والعرندس التي تفيد القوة والمنعة وغيرها…

فقه اللغة

بما أن من بين متابعي الصفحة بعض طلبة المحاظر المهتمين باللغة، فسأقوم يشرح بعض الألفاظ التي أشرت إليها آنفا:

قنة كل شيء أعلاه، ومن ذلك قول القضاعي:

أما ودماء لا تزال كأنها على قنة العزى وبالنَّسر عندما

الطنب: الحبل الذي يمد، وتشد به الخيمة ونحوها إلى الوتد لتثبيتها

يقول تأبط شرا:

وكادت وبيت الله أطناب ثابت تَقَوض عن ليلى وتبكي النوائح

النهى: جمع نُهية، وهي اسم من أسماء العقل وسمي العقل عقلا لأنه يعقل صاحبه عن الزلات، كما سمي نهية لأنه ينهى عن القبائح. قال تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأولِي النُّهَي).

وقع القضاء: حصوله وحدوثه

المُظَاهَر من الدروع: الملبوس بعضها فوق بعض، وهي قريبة من معنى “اتْغَرْبِ” بالحسانية.

يقول الربيع بن زياد العبسي:

لهم سرابيل من ماء الحديد ومن نضح الدِّماء سرابيل لهم أخَرْ

مُظَاهَرات عليهم يوم بأسهمُ لونان: جون وأخرى فوقها حُمُر

الدلاص: من الدروع اللينة الملساء، التي تزل عنها السيوف للينها، وقيل هي البراقة، وقيل هي المحكمة.

يقول عمرو بن كلثوم في معلقته:

علينا كل سابغة دلاص ترى فوق النجاد لها غضونا

قصب السبق: عبارة مجازية تستخدم في الإشادة بالتفوق والسبق، وأصلها أن العرب في الجاهلية كانوا ينصبون غصنا من نبات القصب في نهاية مضمار السباق، ومن يسبق من الخيالة يقتلع القصبة ويأتي بها.

قانا: من قنوت الشيء تقنوه قنواً إذا كسبته وجمعته وادخرته، وهي قريبة من لفظ الحسانية “كَانَ” بجيم مصرية.

الشَّربُ: القوم يشربون ويجتمعون على الشراب.

قال عقبة بن سابق الهِزاني العنزي يذكر ناقة صلبة قد أتعبها راكبوها:

وعنس قد براها لذذة الموكب والشرب رفعناها ذميلا في مُعالى معمل لحب

كما وظف سلامي أسلوب التعجب القياسي في مرثيته، وهو نادر في شعر المتأخرين، فقال:

من أسرة الزمراكي حل بمنزل أخلق له أن يبلغ الأسبابا

وأخلق هنا من الخَلق بمعنى الهيئة والشكل، والخُلُق بمعنى السجية والمقصود ما أحسن هيئته وخلقه.

لزب الطين: لصق بعضه ببعض، ومنه ضربة لازب وتعني الأمر اللازم الثابت الذي لا مفر منه ولا يمكن تغييره، قال تعالى:(مِنْ طِينٍ لاَزِبٍ)

الحيا: المطر

قال الراعي النميري يذكر تعويضه لصاحب إبل قد أخذ منه ناقة:

فقلت لرب الناب خذها ثنية وناب علينا مثل نابك في الحيا

الرغائب: جمع رغيبة وهي العطاء الكثير، قال أعشى باهلة يرثي أخاه ويصفه بأنه كثير البذل والعطاء:

أخو رغائب يعطيها ويُسْأَلها يخشى الظُّلامة منه النوفل الزُّفر

أما الرغيبة من العبادات فهي ما رغب النبي صلى الله عليه وسلم فيه، وداوم عليه ولم يظهره في الجماعة، وقد جاء في وصايا عمر بن الخطاب رضي الله عنه “وانظر ركعتي الفجر فلا تدعهما فإنهما من الرغائب”.

الميزاب: آله ينحدر فيها الماء من أعلى إلى الأرض، وقد جاء في مسند الإمام أحمد بن حنبل قوله صلى الله عليه وسلم: إن لي حوضا ما بين أيلة إلى صنعاء، عرضه كطوله، فيه ميزابان ينثعبان من الجنة، من ورق، والآخر من ذهب.

الأعتاب: جمع عَتَبَة، وعتبة الباب خشبته السفلى.

الملاب: ضرب من الطيب معرب بالفارسية.

طاب يومكم

يعقوب بن اليدالي

شارك

اترك تعليقاً

كن أول من يعلّق على هذا المقال — صوتك يهمّنا.

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *