الرئيسية / قراءات أدبية / تقاريظ نظم الدر واللجين في سيرة الصنوين
whatsapp-image-4

تقاريظ نظم الدر واللجين في سيرة الصنوين

يقول ظرفاء أهل إيكيد إن من يروي مدحه مثل الشاة التي ترضع لبن ضرعها، وقد أخبرتكم سابقا إن جينات عمنا إيجك قد تمحضت في صاحبكم فأصبح ضرعا صالحا أزرقا ينشر في العالم الأزرق ما ألقى الله على خاطره.

وفي هذا السياق، فقد بعث إليَّ ابن عمنا فتى الفتيان محمدن بن امَّدْ بقطعة وافرية وافرة المعاني غزيرة الفوائد جيدة السبك والحبك شحنها بالإشارات الرشيقة والمعاني الجميلة.

وقد أبديت سابقا رأيي النقدي في شعر الأديب محمدن بن امد وعبرت عن موقفي منه، وقلت إنه يعد من فحول الشعر والشعراء في إكيد، وأنه تسنم مرتقى صعبا في الشعر والأدب، وأنه شاعر فحل مطبوع، لديه ملكة شعرية فطرية وقد أثرى ذائقته بحفظ الأشعار ورواية الأخبار، وصقل موهبته بالدربة على كتابة الشعر، فجمع بين الطبع والرواية والتمكن اللغوي إضافة إلى أنه لا يعاظل في المنطق.

يقول الأديب الأريب محمدن بن امد:

حديثك يابن إِلاَّ ذو شجونِ
وما وصفي لنظمك بالظنونِ

طريف ما نظمت فكنت فيه
“مطرِّفَنا ونجلَ الماجشونِ”

لعمرك إنه ب”الروض” تزري
رقائقه وب”الدر المصونِ”

رأينا منك إبداعاً عجيباً
ومعرفة بأصناف الفنونِ

فقلنا ليته في كل يوم
يمَتِّعنا بقرة ذي العيونِ

وخاطبناك عرفانا بفضل
خطاب الضاد “مؤتمر العيونِ”

ومن يقصدْ ربى انيفرار يغنمْ
ولم يشك الجوى “بالماطرونِ”

أيا يعقوب إن تر من يحاكي
كتابتكمْ فقل: “وابن اللبونِ..”

وسأجرح هذا النص قليلا، وأقرب الأقصى من معانيه بلفظ موجز فأما قوله:

طريف ما نظمت فكنت فيه
مطرفنا وابن الماجشون

ففيه إشارة لطيفة إلى لقب “الأخوان” الذي أطلقه فقهاء المالكية على الفقيهين المدنيين مطرف بن عبد الله الهلالي، وشيخه عبد الملك بن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة المعروف بابن الماجشون.

وسبب إطلاقهم لذلك اللقب راجع إلى كثرة اتفاقهما في الأحكام الفقهية، فقد نقل عنهما الكثير من الأقوال المشتركة خاصة في قضايا الجوائح وعطايا الوالد وغيرهما، إضافة إلى ملازمتهما لبعضهما في الدرس والفتوى فباتا يمثلان مدرسة داخل مذهب الأصبحي.

ولا شك أن توظيف الأخوين فيه زيادة نكتة بديعة.

وأما قوله في البيت الثالث:

لعمرك إن ب”الروض” تزري
رقائقه وب”الدر المصون”

فلعل الأديب الأريب محمدن يوري ببعض عناوين الكتب الشهيرة، فهناك عدة تآليف تحمل اسم الروض، منها الروض الأنف في السيرة النبوية شرح به السهيلي سيرة ابن هشام، وهناك روض الحرون على طرة ابن بون في علم النحو والصرف، للعلامة عبد الودود بن عبد الله بن انجبنان الألفغي، وأما الدر المصون فلعل الأديب يوري به عن تفسير الحلبي الشهير الموسوم بالدر المصون في علوم الكتاب المكنون، وأخبر بعد محمدن بيهللي من أهل لكتوب.

من ناحية أخرى، فقد أشار الأديب الأريب محمدن في قوله:

وخاطبناك عرفانا بفضل
خطاب الضاد “مؤتمر العيون”

إلى قطعة مشهورة لشاعر “لبحير” المفلق محمدي بن أحمد فال الجكني، كان قد خاطب بها الرئيس المختار بن داداه خلال انعقاد مؤتمر حزب الشعب بمدينة عيون العتروس فقال:

لسان الضاد يرمق بالعيون
إليك اليوم مؤتمر العيون

ففكر في ديون الضاد حلت
أمؤتمر العيون فِ بالديون

فطور الشعب كان على منام
تطور بعده طور الجنون

لسان الضاد فارغة فؤادا
كفاها من جفا “وي ونون”

بريعان الشباب زهت وتاهت
فهي اليوم يانعة الغصون

فرسمها وإن غضبت فرنسا
وخل النوم ينعم بالجفون

وخل رطانة هرمت وشابت
فهي اليوم موشكة المنون

كما أشار الأديب الأريب محمدن في أبياته إلى أحد شواهد الألفية الشهيرة بقوله:

ومن يقصد ربى انيفرار يغنم
ولم يشك الجوى بالماطِرون

وهو أحد شواهد جمع المذكر السالم:

ولها بالماطرون إذا
أكل النمل الذي جمعا

والبيت من قصيدة ليزيد بن معاوية يتغزل بها بنصرانية كانت قد ترهبت في “دير خراب” عند الماطرون، وهو بستان بظاهر دمشق ويسمى حاليا بالمنطور. وأولها:

آب هذا الليل فاكتنعا
وأمر النوم فامتنعا

راعيات للنجم أرقبه
فإذا ما كوكب طلعا

حال حتى إنني لأرى
أنه بالفور قد رجعا

ولها بالماطرون إذا
أكل النمل الذي جمعا

خرفة حتى إذا ارتبعت
سكنت من جلق بيعا

في قباء حول دسكرة
حولها الزيتون قد ينعا

كما ورد ذكر الماطرون أيضا في قطعة كتنضار اللجين نسبها الجوهري وغيره لعبد الرحمن بن حسان بن ثابت رضي الله عنه، ولكن ابن بري قال إن الصحيح ما ذهب إليه ثعلب من أنها لأبي دهبل الجمحي، ورواها بسنده إلى إبراهيم بن أبي عبد الله، وقال إنه كان صالحا وجميلا وخرج للغزو والتقى بامرأة من أهل الشام وتزوج بها، وهي المعنية بالقطعة التي يقول في أولها:

طالَ لَيلى وَبِتُّ كَالمَجنونِ
وَاِعتَرَتني الهُمومُ بِالماطِرونِ

صاحِ حَيّا الإِلهُ أَهلاً وَدوراً
عِندَ أَصلِ القَناةِ مِن جَيرونِ

عَن يَسارٍ إِذا دَخَلتُ مِنَ البا بِ
وَإِن كُنتُ خارِجاً بِيَميني

فلِتِلكَ اِغتَرَبتُ في الشَأمِ حَتّى
ظَنَّ أَهلي مُرَجَّماتِ الظُنونِ

وَهيَ زَهراءُ مِثلُ لُؤلُؤَةِ الغَوّاصِ
ميزَت مِن جَوهَرِ مَكنونِ

وَإِذا ما نَسَبتُها لَم تجِدها
في سَناءٍ مِنَ المَكارِمِ دوني

ثُمَّ خاصرتها إِلى القُبَّةِ الخَضراءِ
نَمشي في مَرمَرٍ مَسنونِ

خاصرتها أي أخذت بيدها، تمشي في مرمر أي على مرمر، مسنون أي مملس.

قال تعالى: “وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ” أي على جذوع النخل.

وأما قول الأديب محمدن بن امد في البيت الأخير من القطعة:

أيا يعقوب إن تر من يحاكي
كتابتكم فقل: وابن اللبون

فقد أشار فيه إلى أحد أبيات جرير السائرة وهو:

وابن اللبون إذا ما لز في قرن
لم يستطع صولة البزل القناعيس

ويستخدم هذا البيت لبيان التفاوت في المكانة، فابن اللبون وهو الذي دخل في سنته الثالثة، إذا ربط في حبل واحد مع البزل وهي الجمال المسنة القوية، فلن يستطيع التحمل والمقاومة.

وإلى ذلك البيت يشير لمرابط محنض باب بن امين حفظه الله بقوله:

يهاب كل ابن لبون مثل
أمثالهم من الفحول البزل

أطال الله عمر صديقي الأود محمدن امد في أمن وعافية وبلوغ منى في بلهنية من العز.

طاب يومكم

يعقوب بن اليدالي

شارك

اترك تعليقاً

كن أول من يعلّق على هذا المقال — صوتك يهمّنا.

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *