الرئيسية / قراءات أدبية / *رحلة جنى العرجون من رطب النعمة و العيون*
whatsapp-image-7

*رحلة جنى العرجون من رطب النعمة و العيون*

الحمد لله و الصلاة والسلام علي رسول الله وعلى ٱله وصحبه ومن اهتدى بهداه وبعد:

فقد كان تحويلي إلى الحوضين كمفتش فرصة مهمة للسفر والتعرف على جزء هام من الوطن العزيز و اكتشاف مخازن سياحية جديرة بأن يلفت الانتباه إليها ليولي المواطنون وجوههم شطرها، فيطلعوا على معالم هامة من مقدرات الوطن العظيم، وقد تجولت في الحوضين لكن سفري هذه المرة أملى علي أن أسجل هذه الرحلة وأسجل فيها ملاحظات وأشفعها بمواقف وطرائف من رحلات سابقة وسأوضح كل ذلك في محله بإذن الله فأقول و بالله التوفيق:

تدبرت أمري بليل وبكرت بغلس إلى مقر شركة النقل سونف وأتممت إجرءاتي واستلمت تذكرتي إلى مدينة لعيون المحروسة.

أخذت بنصيحة أحد الأصدقاء ممن خبروا السفر والدهر قبلي فقد أفضى إلي ببعض الأسرار منها أن على المسافر للمسافات الطويلة في مثل هذه الباصات الطويلة أن يحجز مقعدين وأن يشترط أن يكونا خلف السائق مباشرة فإن ذلك يمنحه اعتبارا خاصا يمكنه من أن يكلم السائق عن كثب فيما ينوبه في خاصة نفسه وكذلك فإن السائق في غالب الأحوال سيمنحه اهتماما خاصا فيقدم في الشاي وفي إيداع الأغراض في الثلاجة وفي قرب مورد الشاحن وأن يكون متاعه معه إلى غير ذلك من الفوائد التي شاهدتها بأم العين.

صعدنا على بركة الله وجاء السائق وأعوانه فاستلم أوراق الرحلة وتفقد المعاون الركاب و تثبت أن لي مقعدين و أسر بشيء إلى السائق لم أتبينه وتلا السائق دعاء السفر وأخرج صدقة بيضاء تمثلت في صرة من السكر وقطعة نقدية من فئة مائة أوقية قديمة، وكبر و أشغل المنبه بقوة مزعجة وغادرت الحافلة المحطة على بركة الله.

كانت يجلس ورائي رجل و امرأتان وعن يميني سيدتان وكان الجميع منهكون في اتصلات يخبرون من خلالها أهلهم أنهم غادروا للتو في الحافلة الأولى من شركة سونف.

كان السائق يتكلم على الهاتف دون انقطاع وربما أشار إلى أحد معاونيه إشارة يفهم فحواها فيجيبه، وقطع اتصاله، فسأل عن قنينة الغاز، وقال ألم أنهكم عن إعارتها، فالشروط الضرورية للسفر لا تباع ولا تعار، فوجموا إلا أن العامل الصغير قال إنها حاضرة وأنها لم تعر أصلا والحمد لله أمرهم من التأكد من جهاز الرحلة وخصوصا الشاي، و قال إنه لا يشرب إلا ورقة بعينها سماها لهم، وأضاف أن عليهم أن يزيدوا من كمية النعناع فهو قليل في الداخل، ثم إنه توجه باللوم إلى المعاون الصغير، وقال له إن آثار السهر بادية عليه وأنه لن يجدي اليوم نفعا وأن ما يكسبه إنما يصرفه في المجون والسهر فتذكرت قول الحكمي:

تفتير عينيك دليل على
أنك تشكو سهرالبارحه

عليك وجه سيئ حاله
من ليلة بت بها صالحه

كان السائق صارما في غير قساوة وكان حازما وكان يتكلم على سجيته مع أنه يعنف معاونيه ويوجههم، فإنه يباسطهم ويمازحهم وكانوا تحت قيادته فريقاً متفاهماً متكاملاً.

اتصل فيما يبدو على أحد أفراد أسرته ليطمئن عليهم فلم يتلق ردا فقال إنهم معتادون على نوم الصبحة، فذمها أشد الذم، ثم اتصل على صاحب المتجر وأوصاه أن يعطي تلك(المبدلة) إذا دبت فيها الحياة خمسة ٱلاف لصائرة الصابرة.

كنا نقترب من بقالة الوداع وهي التي يتناول عندها المسافرون الفطور والمؤن الضرورية، فنادى السائق على أصحابه أن يمنعوا باعة الشاي و الباعة المتجولين من صعود الباص، فهم يشكلون إزعاجا للركاب وعرقلة عند الانطلاق، وأوصاهم أن يأخذوا ما يكفيهم ويكفيه من سجائر سماها، وأن يجتهدوا في الفطور

عدنا أدراجنا بعد أن تزود كل واحد منا بما تيسر، فنادى السائق (أبوبكر) أعوانه وطلب منهم أن يطمئنوا على غلق نوافذ الحافلة وفتح المكيف وقال إن تحضير الشاي إنما يبدأ من واد الناقة بعد أن تهدأ الأمور بشكل نهائي.

استفدت أن السائق يدعى أبابكر وأن معاونه الذي ينصفه يدعى عليا و أن المكلف بالأمتعة يدعى عمر وأن المعاون المكلف بشؤون الركاب ينادونه بعثمان، فعجبت من هذا الاتفاق واستبشرت به خيرا، فالخلفاء الأربعة رضوان الله عليهم أصل كل خير، فقلت في ذلك المعنى:

يا رحلة اليمن و الأمن و الهنا والسعاده

قد فزت بالخير والنصر كله و الزياده

فزت بصديقنا وفاروقنا زعيما الرياده

فزت بعثمان من فاز بالعلى والشهاده

و من علي حققت نور هدى عزة و سياده

أمنت خوفا و نال الكل في حظوة مراده

كان أحد الباعة المتجولين قد تسلل إلى الحافلة فأخذ يدور ويعرض أمتعته من أدوات الشحن ومخزنات الطاقة وقصاصات الأظافر والألعاب والجوارب والأخفاف، فساومته في خفين أسودين كخافية الغراب الأسحم، فمدحهما كأشد المدح و ذكر جملة صالحة من فقه الأخفاف وأنهما يطابقان الوصف المذكور في المختصر و الكفاف من الجلدية و التخريز فاشتريتهما منه فلما حاولت لبسهما فتق جانب أحدهما فقال لي السائق، إنه يعلم أنهما لا يصلحان إلا لحفظ الحناء، لكنه لا يدخل بين البائع و الشاري. حصل البائع على ما كتب له من المسافرين، فمن مشتر ظواية تعمل بالطاقة، ومن مشتر شاحنا وغير ذلك، لكن السائق عاجله بالطرد فأخذت الرحلة وجهتها وتجاوزنا معبر الخروج و الحمد لله.

امتد الطريق كالأمل وكان على أحسن أحواله والحمد لله، وكانت الساعة تشير إلى العاشرة و النصف ومقياس الحرارة يظهر أنها تربو على الثلاثين في الخارج، وثبت مؤشر السرعة حول التسعين.

تمتم أبوبكر السائق لصاحبه أن يقرب منه بعض الخبز وأن يختار أغان من الراي و الرب و أن يبدأ بمديحية “صلاة ربي مع السلام” من أداء أهل الميداح فبادر المعاون لإنجاز المهمة.

سمعت شخصا من ورائي يسترسل بطلاقة في كلام بالفرنسية فبدا أنها شابة مالية تطلب من السائق مقطوعة لسرين جون أو باب مال وتردف أن موسيقى الراي عذبة لكن الزمان عفا عليها.

تدخل شيخ من خلفها فنهى عن الموسيقى بل وحرمها وساق نصوصا وأحاديث في ذلك فنشب الجدال والخصام، ويبدو أن السائق لم يأبه بكل ذلك، و قال إنه يستصحب ثلاثة أشياء ضرورية تصرف عنه عناء السفر، وهي الشاي والسجائر وأزوان، وقال للشيخ إنه إن أحب أن يسمع ردات من لكتري حرات ماهم عند كل حد فليصغ إليه، لكن النقاش احتدم بين الشيخ الداعية والفتاة المالية وكان التفاهم بينهما مستحيلا، فهي لا تفهم من العربية إلا النزر اليسير، هو متعثر التعبير باللغة الفرنسية، فشحن الوضع و تحزب الناس ووردت مختلف التعليقات بين معارض أومؤيد أو محرض لأحد الخصمين، ولم ننتبه إلا و نحن في واد الناقة.

فزاد المسافرون بشاب جريء قربه السائق ذات اليمين فانبرت الحافلة و بدأ إعداد الشاي ودخل الشاب كمترجم أمين أسعر الخصام بين الطرفين، كان ينقل للفتاة كلام الشيخ بكل تجرد ويترجم ردها عليه بكل موضوعية، كان بارعا حقا في إدارة الحوار لو رأيته لانفصلت عن فيصل القاسم و كل صحافة الحوارات الساخنة.

أورد الشيخ مواعظ بليغة وشواهد من الفقه وأقوالا وتكلم عن قسوة القلوب نعوذ بالله فردت عليه الأخت المالية أنها ليست فقيهة ولا عالمة ولا مفتية، لكن لديها جزم قاطع أن الغناء غير حرام، وأنه لو كان حراما لما جاءت فرقة موسيقية إفريقية في زمن رسول الله صلى الله عليه و سلم لتؤدي أدوارا وعروضا موسيقية في مسجد رسول الله صلى الله عليه و على ٱله و سلم، و أنه لو كان حراما لما كان أهل المدينة المشرفة يقومون بعروض موسيقية واحتفالات استعراضية كلما رجع إليهم رسول الله صلى الله عليه و سلم.

و أنه لو أنصت لأغاني فتيات و فتيان هذا الجيل الجديد لرأى عجبا و لسمع عجابا.

كان الشيخ وقورا ودعا لها بالهداية وطلب من أعوان السائق أن يخفضوا الموسيقى وأخذ فى الاستغفار.

كانت المالية جريئة فقالت إنها تحب الموريتانيين وتقدرهم وتجلهم وأن فيهم العلماء والصالحين وأهل القرأن وأنها تقدر فنهم وأنها تحب الفنانة العالمية الشيخة المعلومة بنت الميداح،لكنها مومنة بالله واليوم الٱخر، وعلى الرغم من أنها مقيمة في فرنسا، إلا أنها لم تشرب خمرا ولم تأكل خنزيرا ولم تقرب مخدرا ولا رذيلة لم تلعب قمارا، ثم أضافت: وإنها مررت من هنا لما سمعت عن هذا البلد وأهله لكنني أصبت بخيبة أمل فالبلد متخلف وأحواله بائسة، ولا يتمتع بأبسط مقومات الحياة الكريمة، ولا توجد فيه بنى تحتية حقيقية.

إني لأعجب لبلادنا الإفريقية لديها من الثروات والمقدرات ما لا يحصى وأهلها فقراء مشردون يائسون مهاجرون و أعجب من أوربا لا تملك ذرة من الحديد تحت أرضها ولا لترا من المازوت ولا الغاز وبحرها لا يحوي أية سمكة وهم مع ذلك يعيشون رفاهية مترفة و لديهم من البنى التحتية والفوقية ما يحير الأبصار، إنما مررت هنا لأزور أمي في قرية حول مبتي من مالي، فقد طال عهدي بها و كنت أرجو أن تنتقل للعيش معي لكنها امتنعت من ذلك.

في السنة الماضية قضيت إجازتي مع والدي في الوزينانا بالولايات المتحدة، فهو متزوج ومستقر هناك، لقد هاجر الهجرتين الأولى إلى أوربا بفرنسا حيث تركني مع إخوتي والثانية إلى أمريكا حيث أقام هنالك وتزوج،لقد أهداني حين زرته مصحفا جميلا، وسبحة جاء بهما من الحج و قال لي إن السبحة باركها له أشياخه ٱل الشيخ حماه الله قدس الله سره.

إني أنوي أداء فريضة الحج مع أمي و لعل الله أن ييسر ذلك ويفرج هذه الأمور.

تدخل السائق أبوبكر وخاطبها متهكما سوف ترين أنك كلما تقدمت إلى الأمام تظهر الاستراحات الرائعة والمقاهي الراقية وفنادق خمس نجوم، وأن جمهورية مالي تشقها الطرق متعددة الاتجاهات وأن لهم تاريخ عريق ومجد صميم.

فلم يتمالك الشيخ أن نهره و زبره و قال له إن مثل هذا الكلام لا يوجه للجيران الأكارم في مثل هذه الظروف.

كانت السيدة لا تزال متأثرة فقالت إن الشعب المالي شعب أبي وأن حاضره وماضيه يشهدان له بذلك لكنه الٱن مقسم بأطماع خارجية وعملاء لكن المصير هو طاولة المفوضات ولو بعد حين، وأضافت أن شعبا يحمل ذاكرة أغنى ملك مسلم، من حج حجة لم يحجها أحد، وصاحب أكبر أسطول عبر إلى الضفاف الغربية للأطلسي، وكان له الفضل في نشر الإسلام في وسط وغرب إفريقيا، لجدير أن يعيش كريما محترما وأن يبني نهضة حضارية عظيمة.

هل تعلمون أن ولاتة بنت تينبكت، تلكم أرض العلماء والذهب، ويبدو أن الشيخ والسائق قد انبهرا لهذه المعلومات التي ترجم عنها الفتى بأسلوب بارع

كنا قد اقتربنا من ألاك فقال السائق و قد رأى الطريق ممتداً إلى مد البصر، تمدد فسأطاردك إلى بو اسطيله بإذن الله.

أما الشيخ فأخذ يرتل من سورة النحل و كنت أسمع من لمرابطات أن هذا المحل من القرٱن يدعونه الخلاء “اتنيره بلهجة ازناكه” نظرا إلى أن صاحبه عندهن لا يجد من يتعارظ معه الأثمان عندهن، وواصلت الحافلة طريقها في أمان والحمد لله حتى وصلنا مدينة ألاك

كانت الحافلة تقترب رويدا رويدا من مدخل مدينة ألاك وجثم صمت على المسافرين لم يلبث أن تحول إلى طلبات تصدر من هنا وهناك تطالب بضرورة التوقف وقتا معتبرا لا يشوبه إزعاج لتناول أطاجين متأن من مشو ألاك الشهي الذي يعتبر منتجا وطنيا وماركة تجارية وطبقا خاصا يمثل الثقافة الأصيلة وارتباطها بمادة اللحم، لم يجد السائق بدا من الرضوخ للمسافرين رغم عناده وإصراره أن خارطة طريق الرحلة لم تبرمج فيها مثل هذه الوقفة، كانت هذه الاستراحة فرصة للأخت المالية (روقي) تعرفت من خلالها على مكون مهم من تراث البلد فقد صعدت الحافلة وهي تعرب للشاب المترجم عن إعجابها العميق بمشوي ألاك وشايها وتجمختها لولا ما يحيط بذلك الممان من دخان وذباب يبدو أنهما تقاسما نفس طبق المزيان (و هو المشو عندنا أهل روصو )فتذكرت قول العلامة المختار بن حامد رحمه الله:

أهل القوارب قد جاؤوا بمزيان
فتاتهم وفتاهم فيه سيان

انبرت الحافلة تشق مدينة ألاك و بدأت أنفاس إريف تخترق شقوق النوافذ وأخذت الحرارة تصارع نسيم المكيفات.

كان السائق أبوبكر أوصى معاونه أن يخزن قدرا كافيا من الماء وأن يصحب معه وحدات من المشروبات الغازية وأن يحتفظ بمفتاح الثلاجة.

كانت موسيقى الراي تنساب في إيقاع متناسق مع هزات الحافلة، وكانت تتبادل علينا فورات الراب وانسيابات الراي في جمل متتالية يعقبها سكوت، وكأن المطرب يريدك أن تتدبر كلماته ثم تثور الموسيقى.

عم هدوء جو الحافلة فقال السائق عرفتها لقد طعزهم المشوي، وبين الفينة والأخرى والهزة وأختها تحدث احتكاكات فيشكو المسافر من جاره ثم تهدأ الأمور، فالحمد الله الذي عافاني من ذلك فقد أخذت بنصيحة أخي في السفر ذلك أن من أشد أسباب التعب أن تتحمل ثقيلا مسافة قصيرة فكيف بألف ميل.

كانت الحيوانات تقطع الطريق يمينا و يسارا فكان ذلك يثير حفيظة أبي بكر فيسبها سبا شنيعا و يدعو أن يسلط الله عليها الذئب إن كانت غنما والدب إن كانت بقرا أو حميرا أما الإبل فكان يحترمها و يقول إنها حيوان كريم.

ثم تحركت الحافلة فجأة حركات مزعجة وأعمل السائق المنبه بتواصل و حادت الحافلة عن جادة الطريق و أخذت ذات اليمين، وعلت الأصوات و لكنها توقفت فجأة، وخرج السائق ومعانوه وهم يسبون ويعنفون، والمعاون يقول كادت أن تموت لكنها لم تصب بأذى، وٱخر يقول تحاشيتها بأعجوبة كنت قد أخذتني سنة فما أفقت إلا و الأمر على هذه الحال،

ثم تبين أن سيدة تمتطي حمارا حاولت المرور على الطريق من جهة اليسار بعد مرور شاحنة كبيرة فباغتت الحافلة ونفر الحمار، فحاول السائق التخفيف من السرعة و الانحراف ليتفاداها فنجت ونجونا والحمد الله لكنها لم تكترث لما حدث وطلبت من السائق أن يتنبه ويفتح عينيه، وضربت صفح عيرها بساقها و سارت لحال سبيلها في أمان الله، فتذكرت قول الراجز:

قد أقبلت عمرة من عراقها
تضرب صفح عيرها بساقها

يتواصل…

الدكتور محمد فال بن زياد

شارك

اترك تعليقاً

كن أول من يعلّق على هذا المقال — صوتك يهمّنا.

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *