الرئيسية / مقالات / بحوث يعقوب بن عبد الله بن أبن / ندوة أشفغ مينحن بن مودي مالك
whatsapp-image-5

ندوة أشفغ مينحن بن مودي مالك

كانت هبة رياح الجنوب هذه المرة متميزة فلم تحمل معها تحاليل وأخبارا، بل جلبت معها بركات وأنوارا، حيث اختار صديقنا محمدن ولد عبدالله أن تكون باكورة أعمال منظمته غير الحكومية تنظيم ندوة عن العالم والصالح والشريف أشفغ مينحن بن مودي مالك.

أتينا إلى المتحف من كل حدب وصوب يحدونا حب التطلع إلى سيرة ومسيرة هذا الشيخ الجليل، فشفى الدكتور والباحث يحي بن البراء ذلك الغليل، وقدم أمام جمع غفير محاضرة ثرية وثرة، جمع فيها الدكتور يحي شتات المعلومات المتناثرة بين الكتب والكنانيش وصدور الرجال، ورتبها وفصلها منهجيا، وأعطانا خلاصة عن حياة الشيخ مينحن، ونبذة عن سيرته العطرة، ومسيرته الحافلة، ونماذج من فتاويه وإخوانياته، فجزاه الله خيرا وأطال عمره ونفع بعلمه.

وقد أرجع الشيخ العالم النسابة والد بن خالنا نسب الشيخ مودي مالك إلى الشريف سيدي إلياس، وقال إنه سمع بحلف تشمش وتعاونهم على البر والتقوى، فترك أهله وذهب إليهم ورضي عنهم ورضوا عنه، وشرطوا عليه صبيانهم فجعل يعلمهم القرآن، وتزوج الصالحة العابدة سخنة ميجة وولدت له أبناءه الأربعة وبنته خديجة.

وقد حملت سخن ميجة ابنها محمد بن مودي مالك إلى ولي الله أحمد بزيد فدعا له وقال “منا نحن الأولياء” فكانت هذه الكلمة علما عليه بعد ذلك.

وقد لفت انتباهي شدة إعجاب تلاميذ الشيخ مينحن به وحديثهم عنه، فمن ذلك قول الشيخ محمد اليدالي بن محمد سعيد في وصفه:

كان أقضى القضاة، وسيد الهداة، وسيد الحكام، وخاتمة الأعلام،
يرجع إليه عند التباس الأوهام بالأفهام، بركة الزمان.

وقد ذكر الشيخ المؤرخ المختار بن حامد في موسوعته أن السلطان مولاي اسماعيل سأل العلامة سيد عبدالله بن محم القاضي العلوي الشهير بابن رازكة عن أعلم من يعرف، فقال له أما في القبلة فمينحن، والمراد بالقبلة عموم أرض موريتانيا الحالية لا ولاية اترارزة.

وقد أغيا ابن رازكة بالشيخ مينحن في مقدمة غزلية لقصيدة يمدح بها محمد العالم، ولم أجد في حدود علمي المتواضع، مثل ذلك الإغياء بغيره من العلماء والصلحاء، يقول ول رازكه؛

أثار الهوى سجع الحمام المغرد
وأرقني الطيف الذي لم أطرد

ومسرى نسيم من أكيناف حائل
وبرق سقى هاميه برقة ثهمد

وذكر التي بالقلب خيم حبها
وألبسني شوقا علالة مكمد

فبت أقاسي ليلة نابغية
تعرفني هم السليم المسهد

ويزعج وراد الكرى دون مقلتي
بعوث غرام من لدن أم معبد

من اللائي يستصبين مينحن عنوة
ويعدن بالعلياء أطيب معهد

وللشيخ مينحن إخوانيات مع ابن رازكة، فقد قرظ الأخير قاموس الفيروز أبادي بقوله:

كتب اللغات كثيرة لكنها
مجموعها لا تعدل القاموسا

أو ما تراها أبطلت وتعطلت
كالسحر أبطل حين ألقى موسى

وجه التشابه أنها لما بدا
طرحت كشعر الرأس يلقى موسى

فقال الشيخ مينحن منتصرا لصحاح الجوهري:

الجوهري هو المقدم إنه
في الفن كان لهم هدى ملموسا

لو أنه لاقاه حمر وجهه
لا حاسدا لا حاقدا لا موسى

وفي ذات السياق، فقد ترجم البرتلي للشيخ مينحن في كتابه فتح الشكور فقال:

كان رحمه الله تعالى أستاذا، فاضلا، جليلا، فقيها، نحويا، لغويا، أديبا، شاعرا مجيدا.

من ناحية أخرى، يعتبر الشيخ أشفغ مينحن، من أوائل العلماء الذين أفتوا في نوازل الصحراء وأهل البادية، ومن ذلك فتواه الشهيرة في مداراة الأضياف، والتي منها قوله:

الحمد لله وحده ولا يدوم إلا ملكه، أما بعد فإنه يجب على “الزاوية” كل ماهو وسيلة إلى بقاء نظامها باجتماع كلمتها، ومن جملة ذلك تعاونها على المداراة التي من جملتها الضيافات، فيجب على كل أن يدخل في قسم الأضياف، على العدل، أضياف الليل وأضياف النهار، على قدر ما ينوبه من ذلك، والعون إن تعذر بلوغ العدل غاية.

ويحرم على كل السعي فيما فيه إخلال بنظام “الزوايا” وتفريق الجماعة وتلاشيها بأن يمنع ما ينوب من المداراة، ومن الضيافة فلا يرتحل أحد عن الزاوية والسواد الأعظم إلا لضرورة بينة مخافة أن ينتقل كل واحد إلى مكان يواتيه فيجيئ المحذور المذكور.

وقد توفي الشيخ العالم أشفغ مينحن بن مودي مالك سنة 1150 هجرية عن نحو مائة سنة، وترك أولاده العلماء الصلحاء عبدالله والأمين ومحمد، ومما حبانا الله به أن جعل للشريف المنيف علينا ولادات فالحمد لله على آلائه.

ولا يمكن أن أنهي حديثي عن هذه الندوة المباركة دون التنويه بمداخلة صديقنا العالم والشريف المنيف المعلوم المرابط، فقد اختار لها موضوعا لافتا للانتباه حيث تتبع حضور فتاوي الشيخ مينحن في نوازل علماء الحوضين وتكانت بله ذكر الشيخ محمد المامي لها واعتماده عليها، وقد ختم مداخلته بملاحظة هامة وهي أنه لاحظ كثرة العزو لفتاوي الشيخ مينحن خلال القرن الثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر، وندرتها في القرن الخامس عشر الهجري، الذي شهد قيام الدولة الحديثة ووضع القوانين وإنشاء المحاكم.

شارك

اترك تعليقاً

كن أول من يعلّق على هذا المقال — صوتك يهمّنا.

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *