الرئيسية / قراءات أدبية / التضمين الثقافي البيظاني في الشعر الفصيح.. الشيخ الأديب المختار بن حامد نموذجا
whatsapp-image-4

التضمين الثقافي البيظاني في الشعر الفصيح.. الشيخ الأديب المختار بن حامد نموذجا

خلال مطالعتي لمختارات من الشعر الموريتاني الفصيح، لفت انتباهي ملمح نقدي، مؤداه أن يقوم أحد الشعراء بتخصيص بيت أو شطر لمعنى مستمد من الثقافة المحلية البيظانية.

ولا يدخل هذا الملمح تحت طائلة أدب “ازريكة” الذي يقوم على إدخال مفردات حسانية صرفة في الشعر الفصيح، من خلال الاستشهاد بمثل سائر أو تضمين عبارة شهيرة.

والفرق بين الملمحين هو أن “ازريك” تعلن عن نفسها بوضوح على مستوى الشكل وتستوقف المتلقي بغرابتها الصوتية المعجمية، أما الملمح الآخر فيتعلق بالمضمون، حيث يظل وفيا للفصحى في ظاهره لكنه يحملها معنى لا يدرك كنهه إلا من يعرف الثقافة البيظانية حق المعرفة، وهو ما يعني أن المتلقي العربي لن يفهم المعنى الإجمالي للبيت رغم معرفته لألفاظه.

وسنختار لهذا الملمح النقدي الجديد اسم العود، فنسميه “التضمين الثقافي البيظاني في الشعر الفصيح”، وسنسلط في هذا المقال الضوء على حضوره في شعر الشيخ الأديب والمؤرخ المختار بن حامد، على أن نواصل مستقبلا رصده في دواوين أخرى بإذن الله.

تنوعت أغراض ديوان الشيخ الأديب المختار بن حامد، واستخدم فيه أفانين الأساليب الشعرية العربية، ووشحه بتوظيف الأساليب البديعية، كما ضمنه بصمته الشعرية الخاصة به التي جمع فيها بين الكم والكيف، وقرب المأخذ وبعد الغور، والجزالة والسلاسة، والإفادة والظرافة، كما ضمنه تشبيهات وصورا وأخيلة لم يسبق لها، فأطلق عليه النقاد عدة تسميات منها السحر الحلال، والسهل الممتنع، ونسيج وحده، وشعر التاه باط.

وخلال مطالعتي الأسبوعية للكناش، لفتت انتباهي عدة أبيات شعرية حملها الشيخ الأديب المختار معاني امتاحها من الموروث الثقافي المحلي، فقررت أن أتقاسمها معكم.

وظف الشيخ التاه معنى “اركوب ابلملط” الذي ابتدعه ظرفاء أهل إكيد، في مطلع طائيته التي يمدح بها الشيخ مولود بن عبد العزيز فقال:

ما منطقي نحو مولود من الغلط
ولا ركبت بياني فيه بالملط

كما أقحم مفردات من البيئة المحلية في قصيدة يرثي بها الشيخ سيد المختار بن الشيخ سيديا، فقال:

وأصبح الينع و”المصمار” قد دخلا
منه الغصون وأزهى مثمرا وحلا

ويطلق المصمار على البرعم، و لعل الشيخ المختار بن حامد يشير هنا لأبيات لمرابط امحمد بن أحمد يورَ المشهورة :

قل للذي في الهوى يهدي لي العذلا
أن لست أسمعه لو طار أو نزلا

هذا البُليل وذا المصمار قد دخلا
منه الغصون وهذا الربع منه خلا

وروينا عن أخينا الفتى الضابط امربيه بن التاه بن سيد بن محمذن عن والده أن “البُليل” الوارد في أبيات لمرابط امحمد “حرث” لأهل حَمَّالْ في الكلي يعرف محليا ب “أغبليليف”

ومن ذلك المنحى، توظيف الشيخ الأديب المختار بن حامد للعبارة المتداولة “ما ينحل الثور في كيستن” التي تحمل شحنة رمزية في المخيال البيظاني، تجعل من الخلل العارض في نظام السقي لدى البئر إشارة تتجاوز الواقع المادي إلى دلالات غيبية تتعلق بالتشاؤم، وقد وظفها التاه في قصيدة يرثي بها العالم العامل والنوازلي المختار بن ابلول الحاجي:

والحمد لله أبقى طيبين لنا
وطاهرين من الأرجاس والدنس

لا الثور في سجلهم عنا يحلُّ ولا
عنا العزاء وهم فينا بمحتبس

ونجده ينزاح نحو اكلام ازناك، للتعبير عن عدم رضاه عن المستوى الفني والأدبي لمرثيته للعالم الورع المؤلف الشيخ محمد سالم بن ألما، حيث شبهها بطحين لم يحكم أمره فبعضه دقيق مسحوق وبعضه بقي على حاله، فقال:

حاولت بكرا فما لا نت مقادتها
وذي بُضَيِّعة مما يزجونا

كأنما الشيخ يعنيها بقولته
فإٍيسُ رازٍ وإِيسٌ غير مرزونا

ونظير ذلك، توظيفه للعبارة المتداولة “وجه ينصر محصر”، في مرثيته للشيخ العالم الندس أبي مدين بن الشيخ أحمدو بن اسليمان حيث يقول:

ولله جاه كان ينقذ أمة
ولله وجه كان ينصر محصرا

وتحيل هذه العبارة في الثقافة البيظانية إلى العديد من القيم الاجتماعية كالوجاهة والنصر والقبول والتمكين وعلو المنزلة.

كما استخدم العبارة الحسانية الشائعة في الخطاب اليومي “اكليل يغير انعاج” وهي كناية عن القليل المجزئ الذي يغني مع يسيره، كما يغني لبن النعاج على قلته، في اعتذاره عن قصر مرثيته للسيد الكريم الحاج ببكر بن عمر فقال:

وتلك تعزية من وحي عاطفة
تعني المحبة في البتراء دون بتر

ما طال منطقها لكن تبين من
بيانها أنها ضأن فجاز قصر

ولم يغب هذا الملمح عن تشبيهات التاه الجميلة، فقال:

يخط على الحرار السود منها
مدمى من مناسمها رهيص

بحبر دمائها فتخال فيها
شروحا قد تخللها نصوص

وصورة التشبيه هنا أن سير الإبل على الأرض الصلبة الداكنة أدمى أخفافها فسالت دماؤها على تلك الحرار السود، فكأنها نصوص مكتوبة بالحبر الأسود معها حواش مكتوبة بالحبر الأحمر.

من ناحية أخرى، فقد وظف الشمندر أو البنجر المسمى بالفرنسية betterave، وهي نبتة من فصيلة الخضروات ذات جذور درنية ولونها أرجواني، وذلك في التنويه بأخوالنا الفاضليين سكان قرية التاكلالت فقال:

يا سائلا أي الطعام أطرى
أطراه “بتراف” الشهي عطرا

يختار منه الصائمون فطرا
فرسلهم تاتي إليه تترى

وزاده فخرا ومدحا إطرا
أن حروفه حروف البترا

ونظير ذلك توظيفه للعبارة التي تقال في المخيال الحساني للضاحك المحبب “اتمر”، وذلك في أبياته التي يمدح بها الشيخ المربي الشيخ إبراهيم انياس:

فقلت إني قاصد كولخا
مدينة الشيخ فتاة القرى

فاستضحكت تفتر عن لؤلؤ
عذب فقلت التمر والسكرى

وفي ذات السياق، يأتي قوله في قصيدة يقرظ بها كتاب أسنى المسالك في أن من عمل بالراجح ما خرج عن مذهب الإمام مالك، لمؤلفه الإمام العالم بداه بن البصيري:

كما ضحكت للرفع والقبض منهمُ
رجال فقلنا التمر في فم ضاحك

كما تمنى التاه أن يسقط كل من ناوى الفنان العازف المختار بن الميداح في هوة سحيقة، وذلك في أبيات يقرظه ويمازحه بها ومنها قوله:

ألا يابن مداح الرسول ويا هوه
ويا من مناويه قد انهار في “هوه”

أنلت بحمد الله عَ المدح قوة
ولا حول إلا بالله ولا قوه

إذا ما شدا المختار يوما وحوله
غزال أحم المقلتين له حوه

ترى كل مشتاق يئن تأوها
فمهما تغنى قال كل فتى أوَّه

وتجدر الإشارة إلى أن الألفاظ الدالة على الطرب الموسيقي نادرة في اللهجة الحسانية، حيث يكتفي الحاضرون غالبا بإشارات جسدية كتمايل الرؤوس، أو قول عبارات مقتضبة مثل “هح” و “أسك” و” ذاك البرم ج”، إلا أن الشيخ الأديب المختار بن حامد، خرج عن هذا النسق ووصف لنا بدقة انفعال الحاضرين مع الصوت الفنان المختار بن الميداح وهي مسألة نادرة في شعر مجالس الشعار.

ولم يسلم غرض الغزل من توظيف التاه لهذا الملمح، ومن ذلك أبياته في القول بالموجب:

ظنوا نحولا بجسمي قد أتيت به
من السوادين حيث السَّل والداء

سلاً فقلت لهم ما السل أنحلني
وإنما القلب هاجت فيه سوداء

ومن ذلك تضمينه لمعنى المثل السائر “دارو اعل لوجه” أي جعل كذا على وجهه، موهما أنه هو هدفه، وفي الحقيقة أن هدفه ووجهه غير ذلك، ويدار في الحسانية بمعنى يجعل، فقال:

خرجت على وجهي وليس على وجهي
رداء وهذا البرد أقبل بالوجه

فقالوا إلى مي تسير وفرتنا
فقلت لهم لا بل أهيم على وجه

أريد على وجهي رداء أديره
ولا بد من شيء يدار على الوجه

ومنه أيضا قوله وهو في المحصر

توت ابنة اعلي التي شفتها
ما فشني منها الذي شفته

وما خفى والخير ظني به
ما شفته لو شفته قلته

كما حضر هذا الملمح في غرضي الفخر والإخوانيات فمن ذلك قوله:

يريد أن يطفئنا الماكن
فينا، وفينا نورنا ساكن

يا أيها الماكن فينا لكي
يطفئنا يا أيها الماكن

وقوله في البائية البادة:

فهذا وربي رب أولاد ناصر
وكان رفيقا بي حفيظا ومنجدا

حيث ضمن التاه معنى كاف مشهور مرفود وهو:

هَاذُ لِمْحَاصِرْ هَمْهُمْ
ناصر يخلوه اعجالَ

وولاد الناصر عندهم
رب اكريم أرجال

كما شبه في البادة أيضا، ترديد الحكاية بالصدى الذي يجيب من تكلم أو صاح بجوار الكدى بأن يكرر نفس اللفظ الذي صدر منه، فتركز في المخيال الشعبي أن بها غلاما مكلفا بتكرير كل كلام قيل بقرب الكدية، وذلك في قوله:

ولا بأس عندي بالحكاية إنها
بمنزلة المسموع من أعبد الكدى

كما ضمن في قطعته العينية المثل السائر “كل غزال عند امُّ خنوف” فقال:

ترى أم الرشا أنفا رشاها
ومجري القفر سيرته سريعه

شارك

اترك تعليقاً

كن أول من يعلّق على هذا المقال — صوتك يهمّنا.

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *