الرئيسية / سلسلة مقالات الأستاذ محمد فال بن عبد اللطيف / وسائل التشويق في التعليم المحظري

وسائل التشويق في التعليم المحظري

كان تدريس العلوم في العصر القديم يعتمد كثيرا من أساليب التشويق يجعلونها مجمة للطالب و باعثا يحفزه إلى طلب العلم و تحصيله و التعمق فيه .

و من تلك الأساليب الألغاز و الأحاجي العلمية التي يتعاطاها الطلاب فيما بينهم و يلقيها عليهم الأساتذة و تدون في الكنانيش . و هذا تقليد عريق في المدارس الإسلامية فمن منا لا يعرف ألغاز ابن فرحون ، و في عهد قريب ألغار الشيخ ببها و ألغاز ابن حنبل و غيرهم .

و قد أصل ببها ظاهرة تعاطي الألغاز العلمية تبعا للبخاري مما ورد في الصحيح من حديث ابن عمر رضي الله عنه لما وفق في جواب لغز طرحه عليهم عليه الصلاة و السلام ، سألهم فيه عن شجر كالمؤمن إلى آخر الحديث وهي النخلة فاستحيى ابن عمر أن يجيب عنها بحضرة الأكابر .

و من تلك الأساليب أيضا ما يكتنف الدروس من تعليقات و نوادر و مسميات يتصالح عليها طلبة العلم و الأساتذة كتسميتهم لإحدى طرر ابن بون في باب المبتدأ و الخبر “ بطرة الشوائل ” و هي اللقاح يزعمون أن الطالب إذا انشغل بها تطيش لقاحه لصعوبة حفظها، و تسميتهم لطرة له في باب العلم “ بطرة الخنافيس ” لما ورد فيها من أعلام تلك الأعيان التي لا تؤلف .

و من تلك الأساليب أيضا – و هذا غير خاص بالقطر الشنقيطي – تسمية بعض المسائل بأسماء تصير علما عليها بالغلبة ، و قد طالت هذه العادة جميع الفنون المعروفة ، نذكر منها على سبيل المثال في علم العقائد ، مسألة ” سواد و حلاوة ” و مسألة ” الحبل ” و في فن النحو ، مسألة القدر ، و مسألة الفرس ، مسألة الزنبور ، و مسألة الكحل ، و في علم الفرائض ، مسألة الحمارية ، و مسألة الأكدرية ، و مسألة الفرار ، و في علم الفقه ، مسألة الزبية ، و مسألة الحملاء  ، و مسألة السريجية ، و مسألة السكين ، و مسألة ذات الوليين ، و لا يتسع المقام في هذا العمود للدخول في تفاصيل هده المسائل و هي مذكورة في المطولات فمن شاء رجع إليها .

و لعل من أحسن أساليب التشويق  وضع الجداول التلخيصية لبعض أبواب العلم و من أشهر تلك الجداول في باب النحو جدول حالات إعراب الصفة المشبهة باسم الفاعل وهو جدول يحتوي على بضع و سبعين خانة و منهم من زاده على ذلك ، و منها أيضا جدول بيوع الآجال في المذهب المالكي لخصت فيه صيغها : ما يجوز و ما لا يجوز ، و مثلها في الانتشار الجداول الخاصة بأمهات أصول التركة و كيفية توزيعها .

و ظاهرة الجدولة بدأت تستهوي أنظار العلماء و طلبة العلم عندنا و قد نبه على ذلك الشيخ حمدا ولد التاه في كتابه ” جدولة فقه الخليلي معلوماتيا ” كما ظهر كتاب في التجويد مجدولا لبعض أصدقائنا أجاد فيه ما شاء أن يجيد .

و مما يدخل في إطار التشويق تقسيم النص المدرس إلى محطات معروفة و أول ما وقع في القرآن العظيم حيث قسم إلى أجزاء و كان الطالب إذا بلغ إحدى تلك المحطات يزين لوحه بغرزات ملونة يسمونها الختمة تخول الطالب الحصول على امتيازات عينية .

و كذلك فعلوا في مختصر خليل قسموا فصوله إلى أقفاف جمع ” قف “ وهو علم على الحصة اليومية من هذا المختصر التي يكتفي فيها الطالب كوجبة لا يزيد عليها إلا الملهمون من العباقرة الطلاب .

و مما يدخل في باب التشويق ما درج عليه أساتذة المحاظر من التساهل و التسامح مع الطلاب اذا تعاطوا شيئا من المجون و الغزل العف يستعينون به على طلب العلوم و صعاب الفنون و هذا من الأمور التي لم يبرم بشأنها ميثاق يسجل عند الأمم المتحدة و لكنه مقبول بالجملة ، فعلماء هذا القطر هم أبعد شيء عن النسك الأعجمي الذي شجبه أحد علماء أهل المدينة المنورة و القصة مشهورة  .

و لعلنا سنكون مقصرين إذا أهملنا هنا الحديث عن نظم الفوائد العلمية بالشعر الحساني وسيلة مشوقة إلى تحصيله وفهمه و نشره في الأوساط الشعبية ، و هذه الممارسة لم يسلم منها عالم مهما بلغت درجته في السيطرة على الفصحى و قرض الشعر فيها ، و لم ينج منه فن ، فكلنا يعلم ما نظمت به العقيدة الواجبة في حقه تعالى مبينة بعدد قطع لعبة دمراو ، و ما نظمت به خديجة بنت العاقل التلازم بين الوجود العقلي و الدوام ( في كاف مشهور من الصنهاجية ) كما لخص الشيخ محمد المامي أبواب النيابة في كاف واحد من الحسانية . ناهيك عن الكيفان و الطلع التي تطلع من حين إلى حين لتقييد فرع فقهي أو تأصيل قاعدة أصولية .و الموضوع أوسع مما ذكرنا فلا بد أن تسكت شهر زاد عن الكلام المباح .

بقلم الأستاذ محمد فال بن عبد اللطيف .

تعليق واحد

  1. جزى الله خيرا استاذنا محمد فال ونرجو ان يتحفنا بمقالات اخرى يشرح فيها بعض ما ذكر في هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *