الرئيسية / تأملات / كيف نضع حواجزا وجودية داخل البنية الواقعية؟

كيف نضع حواجزا وجودية داخل البنية الواقعية؟

تتسع مساحة البنية الواقعية التي نمارس بها وجودنا كلما استعت ثقافتنا وزاد وعينا بالكون وزادت حماستنا للمعرفة، وللابحار في المقارنة بين أبجدية الواقع وتجلياته وبين ما يسكننا من أبنية تصورية عن منحنيات الزمن، حين نمنح أنفسنا وقتا متسعا لمطابقة الوجود والمعرفة لدراسة نقاط الاختلاف والتباين بينهما؛ والتي يتجسد أغلبها في بنيتنا الواقعية.

ونقصد بالبنية الواقعية لحظة الوجود التي يرصدها الحس عند ميلاد الانتباه والتي تتسع لتشكل جملة الحياة بعد أن يضفي عليها المجتمع جرعة من المألوف فتتسع أكثر وتجد لنفسها سلفا في التاريخ، ويأتي القادمون فيتشبثون بها أكثر فتصبح أشياء أخرى.

هذا ولا يمكن ولوج البنية الواقعية دون مراعاة جملة من المبادئ قد يعيش الانسان عمرا طويلا ما مر بها ولا فكر حولها ولا جال بها فكره، فهي ليست ذهبا ينقب عنه ويبرز ولا فضة تجمع وتكنز.

فلكل إنسان في هذه الحياة مهما كانت ثقافته ومستواه العقلي لحظة يعود فيها إلى ذاته، وهو لا يدري ليناجي في نفسه قضية لا تفارق فكره، ومن الناس من يلفظ شيئا من ذلك في استجاباته العادية، ومنهم من يسيل أو يفيض أثناء حديثه الجاد بشيئ مما يسكنه، وغالبا ما تستحوذ الجملة الواقعية على إدراك بعضنا حتى يذوب في الواقع، وقد يبلغ به ذلك أن ينسى ذاته ووجوده برهة من الزمن وهو حاضر في واقعه غائب عن ذاته، لكنه أيضا يوجد من تنطبع عنده الأحداث والأشياء وجملة الواقع بوعي غائب، فيحضر في ذاته ويغيب في واقعه، حتى أنه يعيش عوالما وجودية ويسرح بها وهو في تمام وعيه وفي قمة تركيزه في بعض أبواب الواقع، وقد يفسد عليه ذلك قيمة الواقع، فهو يتجاوز البنية الوجودية بفعل وعيه الداخلي لأشياء أخرى.

نحتاج في حياتنا إلى ابتكار حواجز فكرية ووجودية وواقعية تعزل بين عوالمنا المتداخلة وتفصل بين قطع الصمت التي نعيشها أثناء عملية عودة الادراك، وتقينا من اصطدام فهم الآخر بشعورنا ،وتقينا تشتت وجودنا ، حتى نستطيع أن نشارك الآخر نكهة الواقع ونضحك معه.
إن ضرورة انشاء حواجز وجودية في الذات هي حلم معرفي عند الانسان الذي بلغ مبلغا من تجاوز المدلولات أمكنه من إدراك تجلي الشيئ في نقيضه إلى جانب مشاركته الآخر شعوره تطابق المعاني ومقاصدها.
إن بناء حواجز تفصل بين الخيال والواقع والحقيقة يحتاج لوقت ولتجاوز الكثير من العقد والكثير من الاعتبارات.

12750856
هل نعلم أن اذاهننا مشحونة بالواقع، ومشحونة لدى بعضنا بالحقيقة ولدى بعضنا بالتصور؛ فبعضنا يمكث أكثر من نصف حياته في الغياب والتصور والمقارنة والتحليل، وبعضنا يذوب في لحظته؟
إننا لا نشعر ضرورة إنشاء حواجز وجودية في حياتنا إلا حين نستيقظ على حادث جلل أو على ما يناقض مألوفنا، أو حين نبحر في العبث واللهو حينها نعود تلقائيا لتفكيك الواقع والعودة للذات ونمضي في ذلك حتى نتجاوز بنيتنا الواقعية، ونبدأ في تبرير جميع أعمالنا وأفعالنا، وقد نصل إلى مقارنة الصورة النمطية التي نملك عن أنفسنا وبين صورتنا الجودية الماثلة، وقد لا نجد نتائج تقنعنا بالعودة لمشاركة الآخر عالمه الخاص.
إن الحواجز الوجودية التي يلزمنا بناؤها لا تنشأ بالفولاذ والأسمنت والتراب، ولا تتطلب مبلغا ماديا عظيما، لكنها ترتكز في ضبط النفس وإبعادها من منطقة التأرجح بين المعرفة والخيال و بين الحلم والممكن، والابتعاد عن مقارنة النتائج بالأسباب، والبحث عن قيمة تعويضية لتبرير الوجود الاضطراري الذي نتخبط به.

ديدي نجيب

شاهد أيضاً

رسالة من مفردات رمضان

لكل ظرف من ظروف حياتنا العادية مجموعة من المفردات تتعلق به نفسيا واجتماعيا، وترتبط به ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.