الرئيسية / الاخبار / الموريتانيون وملفات الاستخبارات الفرنسية الاستعمارية

الموريتانيون وملفات الاستخبارات الفرنسية الاستعمارية

الموريتانيون وملفات الاستخبارات الفرنسية الاستعمارية
سيدي أحمد ولد الأمير
باحث موريتاني مقيم بقطر

بين يدي بعض الوثائق التي أعدتها الاستخبارية الفرنسية بدايات فترة الاستعمار، وتتعلق بمتابعات وتحريات ومعلومات حول بعض الأعيان الموريتانيين ممن كانت الإدارة الفرنسية حريصة على توثيق كل ما يتعلق بهم وتتبع نشاطاتهم ودراسة تأثيرهم وفهم علاقاتهم الاجتماعية والسياسية والدينية. تغطي هذه الوثائق أغلب مناطق موريتانيا وتعطي انطباعا أساسيا عن الطريقة التي كان الفرنسيون يتعاملون بها الموريتانيين. سيدي أحمد ولد الأمير
باحث موريتاني مقيم بقطر

بين يدي بعض الوثائق التي أعدتها الاستخبارية الفرنسية بدايات فترة الاستعمار، وتتعلق بمتابعات وتحريات ومعلومات حول بعض الأعيان الموريتانيين ممن كانت الإدارة الفرنسية حريصة على توثيق كل ما يتعلق بهم وتتبع نشاطاتهم ودراسة تأثيرهم وفهم علاقاتهم الاجتماعية والسياسية والدينية. تغطي هذه الوثائق أغلب مناطق موريتانيا وتعطي انطباعا أساسيا عن الطريقة التي كان الفرنسيون يتعاملون بها الموريتانيين.
هذه الوثائق عبارة عن تقارير استخبارية مكونة من شكلية من متوسط أربع صفحات تنقص أحيانا أو تزيد، وفيها عدد ثابت من الخانات وبعض الأسئلة والاستيضاحات وقد جُمِع كل ما يخطر على البال من أسئلة وتقييم واستبيان حول الشخصيات الموريتانية: ميلادها، نشأتها، دورها، علاقاتها، مدى معرفتها للفرنسية أو للعربية، مدى تعاونها مع الإداري الفرنسي المتصرف في الدائرة التي توجد بها هذه الشخصية، وهل انخرط هذا الشخص في المقاومة وهل ص أدى فريضة الحج أم لا؟ وهل يزور مكاتب الإدارة الفرنسية باستمرار أم في فترات متفاوتة أم يتحفظ من زيارتها أصلا؟ وهل يؤدي الضرائب أو العشور في مواعيدها؟ وما هي خلفيته الاجتماعية والأسرية؟ وغير ذلك من الأسئلة الدقيقة والتحريات العميقة والاستبيانات المستوعبة.
يقوم الحاكم الفرنسي بكل دائرة من دوائر موريتانيا بتدوين هذه التقارير الاستخبارية ومتابعة أصحابها. وسأحاول في هذه الإطلالة الوقوف على بعض تلك التقارير واستعراض جوانب من طرائق الاستعمار الفرنسي في التعامل معنا:

الشيخ الغزواني: الطريقة الغطفية مصدر قلق مستمر بالنسبة للمستعمر الفرنسي

ولد الشيخ الغزواني بن الشيخ محمد محمود بن سيدي أحمد بن عمار البساتي سنة 1978 وهو أحد أبرز شيوخ التصوف في موريتانيا وخصوصا مشايخ الطريقة الغظفية المنسوبة إلى الشيخ محمد الأغظف بن حمى الله الداودي رحمه الله.
وتعرف الطريقة الغطفية بنهجها التربوي القائم على الزهد والورع والتحلي بمقامات الصالحين والتشبث بالسنة المحمدية الطاهرة. وقد تصدر على الشيخ محمد الأغظف أعيان وأعلام موريتانيون كالشيخ المختار بن الطالب أعمر بن نوح بن آبه البوساتي، وعنه أخذ سيدي أحمد بن عمار البساتي الشهير بشيخنا الكبير وهو والد الشيخ محمد محمود الشهير بالخلف وهو والد الشيخ الغزواني.

فتحت الإدارة الفرنسية تقريرا للشيخ الغزواني، وهو أمر منطقي جدا خصوصا إذا علمنا أن مدرسة والده الشيخ محمد محمود الخلف تخرج منها الكثير من مقاومي الإدارة الاستعمارية كالشيخ محمد الأمين بن زيني القلقمي وابنه محمد زين العابدين وهما من الرجالات الموريتانية التي قادت الهجرة الغظفية الشهيرة نحو المشرق عندما احتلت فرنسا بلادنا. وقد تحدثت في مقالين سابقين عن هذين الرجلين الفاضلين وعن تلك الهجرة الغظفية وعن تغطية الوثائق الفرنسية لأخبارها. ولا ننسى أن من أبرز أتباع الطريقة الغظفية المجاهد البطل والشهيد سيدي بن مولاي الزين الذي قتل مع مجموعة من أهل التناكي من إديشلي قائد الحملة الاستعمارية الفرنسية بموريتانيا كبولاني.
يتحدث التقرير الاستخباري الذي وضعه الحاكم الفرنسية بتگانت “آلو” Allut، عن الشيخ الغزواني عن ميلاده وعن فضاء تأثيره الواسع والعميق خصوصا في تگانت وآدرار، وعن مشيخته للطريقة الغطفية وعن ثروته (حيث يعطي التقرير إحصاء لممتلكاته من الأنعام والنخيل سنة 1914) كما يتحدث عن أخويه محمد أحمد ومحمد محمود. كما يذكر التقرير أن للشيخ الغزواني الكثير من تلامذة التصوف وإن كان الشيخ الغزواني ظل حريصا على ألا يعطي للفرنسيين عدد مريديه الصحيح.
ويذكر التقرير أن الشيخ الغزواني كان ينوي أن يؤدي فريضة الحج سنة 1914 لكن ظروف الحرب العالمية الأولى منعته من ذلك. كما يذكر صرامته في الأمور الدينية ووقوفه عند السنة أمرا ونهيا.
كما يذكر الحاكم الفرنسي بتگانت أن الشيخ الغزواني كان على درجة عالية من الذكاء وحسن التصرف، ولذلك صعب على الحكم التدخل في شؤون حضرة الشيخ. ولأن الفرنسيين ظلوا يناصبون الطريقة الغظفية العداء ويعتبرونها خزانا للمقاومة الوطنية فقد أوصى الحاكم بضرورة مراقبة قبيلة الشيخ الغزواني ومراقبة تلامذته عن قرب حتى لا ينخرطون في مشروع مقاوم للفرنسيين وهو أمر يبدو أن الفرنسيين كان يشعرون بخطورته ويجندون العيون من أجل متابعة الشيخ الغزوان ومن هم حوله.

عبد الرحمن بن بكار.. تدبير وتسيير الأوضاع المعقدة

كان عبد الرحمن بن بكار أمير تگانت كما يقول من ترجموا له: حائز السبق في شتى الميادين من شجاعة ورماية وصبر على اقتحام المهالك في حسن النظر وسعة العقل والصبر والصفح، وقد عاش رحمه الله تعالى عمرا مديدا أميرا نافذ الكلمة يحظى بالتقدير المستحق والمكانة السامقة.


ولد الأمير الدَّانْ وهو لقب عبد الرحمن بن بكار سنة 1884 بتگانت في بيت الإمارة وكان إخوته حسب التقرير الاستخباري الذي بين أيدينا أربعين ومن المعلوم أنهم أكثر من ذلك. كان الدان غنيا ذا ثروة طائلة كما يذكر الحاكم الفرنسي بمنطقة تگانت وقد تولى الإمارة وهو فتى يافع. يتحدث التقرير الاستخباري عن تأثير الأمير الدان الواسع وعن استقامته ودقته وذكائه، وقد وصفه الحاكم الفرنسي في تقريره بأنه من شدة حنكته السياسية فإن له مهارة خاصة في تسيير المناقضات وتدبير الأمور المتضاربة وقد عبر الحاكم الفرنسية عن ذلك بالعبارة الفرنسية الشهيرة: Ménager la chèvre et le chou التي تعني القدرة الفائقة على ضبط الأمور المتخالفة.

الشيخ محمد فاضل ولد محمد ولد اعبيدي.. مناهضة الفرنسيين قضية مبدئية

خصص حاكم دائرة تگانت تقريرا خاصا للشيخ محمد فاضل بن محمد بن اعبيدي على الرغم من أنه من ساكنة آدرار. فميلاده –حسب التقرير- كان سنة 1835 وهو مقيم بالجريف حيث واحات من النخيل المشهورة. ويذكر التقرير الاستخباري أنه أخذ الطريقة القادرية على يد ابن عمه الشيخ ماء العينين بن الشيخ محمد فاضل وهذه “تهمة” في نظر معد التقرير، مع العلم أن التقرير يذكر في جانب آخر أن محمد فاضل بن محمد بن اعبيدي أسن من الشيخ ماء العينين. كما ذكر أيضا أن الشيخ محمد فاضل بن محمد بن اعبيدي أخذ عن الطالب أحمد بن طوير الجنة الحاجي الذي أخذ عن سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم العلوي.
كما يلاحظ التقرير أن الشيخ محمد فاضل يكثر الإقامة في محل سكناه الجريف حيث يقوم بتعليم وتربية طلابه ومريديه وهو أيضا كما يذكر التقرير من أشد المناهضين للاستعمار الفرنسي ومع أنه لا يصرح بذلك جهارا كما يفعل غيره من الموريتانيين. ويوصي التقرير –وهذا منطقي- بضرورة مراقبة الشيخ محمد فاضل ولد محمد ولد اعبيدي فهو مصدر قلق بالنسبة للفرنسيين.

حامدن بن محمذن بن محنض بابه.. مرجعية الفتوى والقضاء

حسب التقرير الذي أعده حاكم دائرة المذرذرة أنتونين (Antonin) فقد ولد حامدن سنة 1860 وهي سنة وفاة جده العالم المؤلف الذائع الصيت محنض بابه بن اعبيد. وكما يذكر التقرير فإن حامدن سليل ِأسرة من أولاد ديمان محترمة تسلسل فيها العلماء والقضاة فشرح جده محنض بابه لمختصر خليل الشهير بالميسر له ذكر وتقدير في الفضاء الموريتاني ذي التوجه المالكي كما في التقرير.
ظل حامدن بمنأى عن الإدارة الفرنسية وقد لاحظ حاكم المذرذرة تلك القطيعة وبررها بكون حامدن عالم مدرس تتحلق حوله عشرات طلبة العلم وليس لديه لا الوقت ولا الرغبة في التواصل مع الفرنسيين. وكما يذكر التقرير فإن حامدن كان من أوائل من سمحوا لأبنائهم بدخول المدرسة الفرنسية سنة 1911 حيث انتسب إليها ابنه المختار بن حامدن مؤرخ موريتانيا الموسوعي وشاعرها وأديبها الغني عن التعريف.
وقد عرضت الإدارة الفرنسية مهمة القضاء في دائرة المذرذرة على حامدن فاعتذر. ويصف أنتونين (Antonin) العلامة حامدن بأنه رجل طويل أعطاه الله بسطة في العلم والجسم ولا يتكلم ألا نادرا وهو ذو مكانة اجتماعية مؤثرة في منطقته. ويوصي التقرير في الختام بعدم التفكير بإسناد أي دور لحامدن لأنه لن يقبل به لكن ينبغي على الإدارة الفرنسية أن تدرك أن سعة علم حامدن الفائقة واحترامه في المنطقة أمران يؤهلانه أن يحل الأمور القضائية الشائكة والمرافعات الصعبة والنوازل الفقهية التي عجز الآخرون عن تقديم حلول لها.

سيدي محمد بن سيدي أحمد بن أحمد.. السياسي المحنك

ولد سنة 1948 بتگانت في بيت مشيخة أولاد سيدي حيب الله من كنتة، وكان من أبرز زعماء موريتانيا عند إخضاع المستعمر الفرنسي لبلانا. شارك سيدي محمد ولد سيدي أحمد ولد أحمد في مقاومة الفرنسيين وبعد تحطيم الفرنسيين لواحات النخيل ولقصور كنتة بتگانت هاجرت هذه المجموعة نحو الحوض غير أن سيدي محمد بقي -كما يقول التقرير- يستصلح حقوله الزراعية في تامورت النعاج بتگانت. وقد استطاع بحنكته السياسية وحسن تدبيره أن يظل في المنقطة ويدبر أموره السياسية والتنموية رغم الظروف الصعبة التي كانت تعيشها البلاد.
وتحوم شكوك الفرنسيين -حسب التقرير- حول مشاركة سيدي محمد في معركة النييملان ضد الفرنسيين وكانت تلك المعركة يوم الخميس 25 أكتوبر 1906، حيث ألحقت جيوش المقاومة هزيمة نكراء بالجيش الفرنسي. ويذكر التقرير أن إحدى المخبرات ممن كنَّ قريبات من جيش المقاومة بتگانت شاهدت فرس سيدي محمد ولد سيدي أحمد ولد أحمد كما شهد على ذلك بعض الرماة ممن حضر هزيمة الفرنسيين واندحار جيشهم. ويذهب الحاكم الفرنسي بتگانت “آلو” إلى أن دور سيدي محمد يوم النيملان كان مريبا بالنسبة للفرنسيين. ولذلك يوصي التقرير بوضعه تحت المراقبة الدائمة.
وينهي الحاكم الفرنسي بتگانت تقريره ببعض صفات سيدي محمد ولد سيدي أحمد ولد أحمد فقد كان ذكيا مراوغا يجيد فن السياسة وعقد التحالفات كما أنه سريع الغضب كما لم يستطع الفرنسيون يوما أن يحتجزوا جماله ضم ما يحتجزون من جمال عندما يريدون تسيير قافلة لبعض أهدافهم.

خاتمة
هذه إطلالة سريعة ليست شاملة بطبيعة الحال لكنها تعطي صورة عن الاهتمام الفرنسي بالموريتانيين ونوعية ذلك الاهتمام بل إن هذه التقارير الاستخبارية تمدنا بقاعدة معلومات استقصائية شاملة وفاحصة. وأنا أدرك شخصيا ويدرك القارئ كذلك أن هذا ليس ترجمة لهؤلاء الأشخاص ولا قريبا من ذلك، بل هي معلومات تفسح المجال للباحث ليعرف جوانب من التدبير الفرنسي للشأن الموريتاني خلال فترة الاستعمار وفي هذا بلاغ وفائدة لمن يرغب في الاطلاع على جزء من تاريخنا المعاصر.

انتهى.
للاتصال بسيدي أحمد ولد الأمير:
ahmeds@aljazeera.net
ouldlemir63@gmail.com

5 تعليقات

  1. أشكر استاذي الجليل وصديقي الحميم على هذه الصفحة الجديدة التي أرجو ان يصدرهاتباعا والفت انتباهه الكريم الى الاتصال يشخصية من اهل المذرذرة معروفة سيجد عندها زادا ليس بالزهيد بجوزتها ورقات مفيدة او قل كتاب و الشخص لا استطيع ان اذكر اسمه و انت تعرفه جيدا وشكرا

  2. riche claire et précis

    merci docteur

اترك رد