الرئيسية / الاخبار / الأديب المرحوم أحمد بن سيد أحمد بن سيد ميله كما عرفته …

الأديب المرحوم أحمد بن سيد أحمد بن سيد ميله كما عرفته …

بمفقد أحمد بن سيدأحمد بن سيدميله تفقد موريتانيا أديبًا عبقريًا لا نظير له، وفتى توفرت فيه جميع معايير ومقاييس وخصال الفتوة المعتمدة في أرض البيظان، لكنه أخلد إلى الأرض، وفضل التواضع، و آثر نكران الذات، و اختار الابتعاد عن الأضواء، وزهد في الشهرة.
برحيل أحمد بن سيدأحمد بن سيد ميله تحترق مكتبة غنية من مكتبات المذرذرة، كما احترق أرشيفها الغني ذات يوم على يد حاكم بادي الرأي.
بذهاب أحمد بن سيد أحمد بن سيد ميله، يصاب المحصر في مقتل، فالفقيد كان أحد أعيانه البارزين، ورمزا من رموز كيانه الأساسيين، وفتى يُكَدَّمْ لِجْمَاعَ فهو جذيل جغرافيا المغافرة السياسية المحكك، وعذيق الثقافة المحصرية المرجب.
بغياب أحمد بن سيدأحمد بن سيدميله فقدت خيمة النص ركيزة ناءت بعبء مجدها المؤثل، وزادته بآخر طارف، ووسعت دائرة علاقاتها العامة، فالفقيد قد رفع سمكها وما سواها.
بوفاة أحمد بن سيد أحمد بن سيد ميله يفقد انيفرار حليفًا ناصرًا، وأخًا وفيًا عاضًا على العهد بالنواجذ، وعاقلا زكنًا من أحمد العقلاء.

قرأت نعي العبقري الفذ فجر اليوم،فاسترجعت وحوقلت وضربت أخماسًا بأسداس، تأسفت وتحسرت على ضياع كنز معرفي فجأة ودون سابق إنذار، رغم أنه كان أقرب إليَّ من حبل الوريد، ولكن هيهات فغائب الموت لايؤوب، وأزهد الناس في العالم أهله.
تدافعت إلى رأسي فجر اليوم تلك اللقاءت الثلاثة الخاطفة، واللحظات القصيرة الغنية التي جمعتنا معا، كما لو كانت فيلمًا وثائقيا عمل العقل الباطن على إخراجه وعرضه حسب ترتيب اكرونولوجي دقيق.

التقيت أول مرة بالخلوق المسالم أثناء حملة للاستحقاقات النيابية والبلدية في المذرذرة، حيث فوجئت خلال إحدى السهرات بالمشرفين على الربط ينادون باسمي ويطلبون حضوري، فلم أميز سبب النداء ولكني بادرت إلى تلبيته على عجل ووجل، فأخبرني الأستاذ الخلوق محمدُّ بن سيد عبداللَّ –رحمه الله- بأنني مدعو لألقي قصيدة كتبها الشيخ الأديب محمد فال بن عبد اللطيف، دعمًا وتنويهًا بالمرشحين للانتخابات النيابية والبلدية، وناولني الورقة ومكبر الصوت، وبدأت بإلقاء قول ثقيل محاولا استكناه ما في شعر ول عبد اللطيف، من معنى طرف أوملمح ظريف، وفجأة استوقفني بيت في غاية السبك والحبك – لا أتذكره مع الأسف- فأعدته مرتين و أردفت قائلا ” إنه الشِّعْرُ أو لا يكون”

الأستاذ محمدفال بن عبداللطيف

بمجرد انتهائي من إلقاء القصيدة الجميلة، رأيت الفقيد واقفًا يشير إلي بالقدوم إليه، كان بصحبته ضيوف ليسوا من أهل الصنك، ثم قال لي بعد التحية ” ألم تنتبه إلى الجمع الكبير من الأدباء والشعراء و النقاد الذين كانوا يستمعون إليك، كيف استطعت مخاطبتهم بتلك العبارة؟ هوم إنزلو ذاك “، قلت له صدقتم ولكنه انفعال لا إرادي يحدث لي عندما أسمع شعرا جميلا أو معنى نادرًا، فقال لي كيف ذلك؟ قلت لقد وظف الشيخ خلفيته العلمية في بيته، حيث أقحم جواب معاوية بن أبي سفيان لعبد الله بن عباس – رضي الله عنهم جميعا-، عندما سأله عن سبب استلامه لأركان البيت الأربعة، فقال له معاوية إن البيت الحرام ليس فيه ركن مهجور، فكأن الرئيس معاوية بن سيدأحمد بن الطايع – من خلال اختياره لمرشحي الحزب- لم يهجر مقعدًا انتخابيا، فأطربني هذا الإسقاط الموفق، فلذلك قلت ما قلت، فضحك وقال لي لله درك و لا أظن غيرك فهم معنى البيت، ثم التفت إلى جلسائه وقال لهم أعرفكم“بافْلاَنْ مِنْ افْرِيكْنَ اللِّي مَا تِسَّدَّرْ فِيهْ النَّازْلَ “.
ثم تواصل النقاش الأدبي، ورويت لجلسائه قصة تنم عن سرعة بديهته وتمكنه من ناصية الأدب الشعبي، فقد أخبرني السيد محمد سالم بن أحمدُّ بن الميداح أن فرقته كلفت بإحياء سهرة إذاعية تعرف بلقاء الجمهور في نواذيبو، وكانت تتقاسم معهم الإنعاش الموسيقي فنانة ذات صوت وصيت، ولم يبخل عليها الحضور بالتشجيع والتصفيق و”الكفان”، يقول محدثي ثم ذهبت أجوس خلال الصفوف، لعلي أظفر ببعض أدباء المنطقة، فبينما أنا أتفرس الوجوه إذ رأيت أحمد بن سيد ميله جالسًا يتأمل، فأخذت بيده وصعدت به إلى الخشبة، وقلت له إننا بحاجة لمناصرتك، ثم جاء الدور علينا فبدأت في معالجة “دزيت امبر” فلم أكمل “كافين من كفان الشور” حتى أشار إلي فاقتربت منه فأسر إليَّ بالنص التالي:

مَجْمُوعْ – ءُ لاَهِ مَكْتُومَ – ** شِعَّارْ اللَّيْلَ ذّاكْ الزِّرْ
مَرَّيْتُ فِــــــيهُم وانتُومَ ** مَا يِكْـــدِرْ فِيكُمْ حَدْ إِمِرْ

فلما صدحت بالكاف وأديت “أَبْرَامَهُ” وتفاعل الجمهور مع الكلمات والأنغام ، انزعجت المطربة وقالت إن النص يستهدفها شخصيا، فقلت لها “يَلاَّلِ مَصْبَرْنَ نِحْنَ ذَ كَافْنَ لَوَّلْ”

كان لقائي الثاني مع الأديب العبقري في تكند على هامش التحضير لزيارة الرئيس السابق سيد بن الشيخ عبد الله، حيث اغتنمت فرصة مبيتنا معًا في منزل العمدة والوجيه بونن بن الشريف، وقررت أن أسمر معه، وطرحت عليه بعض التساؤلات وعرضت عليه عدة ملاحظات استوقفتني خلال تأملي لأدبه، أتذكر منها أنني سألته عن قصة رواها لي أحد الثقات ملخصها أن عميد الأدب الرجال بن الميداح – شفاه الله وأطال عمره- رفع له القبعة لما سمع كلمة “مُورِ” في كافه الشهير، وقال إن إيراد كلمة حسانية في ذلك الروي لا يلقاها إلا ذو حظ عظيم من فقه اللغة.

مَــدَّ تــــِبْغِ مــُورِ ** هَـــمْ المُـــــوَاطِنِينْ
لِلْحِزْبْ الجُمْهُورِ ** تِزْرِكْ فِلْحِينْ إِفْحِينْ

فقال لي: ذلك تواضع جم من الرجالة وحسن خلقه المعروف، ولكني سأخبرك أمرًا، فقد منَّ الله علينا بنعمة إعل ومحمد ابني أحمد بن الميداح، ولو لم يكونا من أهل المذرذرة لكان لزاما علينا أن نبذل الكثير من الجهد من أجل اللحاق بهما، فشأوهما بعيد وليس من السهل إدراكه؛ فقد جمعا بين الذكاء الاجتماعي، والثقافة العصرية والأصلية الواسعة، وزين القريحة حفظهما الله وأدامهما في صحة وأمن وعافية.

عميد الأدب  اعل “الرجال” بن الميداح

ثم أبديت له ملاحظة استوقفتني في الإخوانيات “لكطاعات” أنه دائمًا يكون مُصْليًا،(مَا إسَبَّكْ) فضحك وقال لي “لِمْسَبْكَ مَا تِخْلِصْ تَعْرَفْ عَنْهَ”.
ثم سألته عن السر وراء تجنبه في أدبه السياسي، ذكر أسماء المرشحين، والإشادة بخصالهم، فدائما يركز في أناشيده على محاور البرامج الانتخابية أو منجزات المرشح خلال المأمورية الماضية، فضحك ونظر إلي مبتسمًا وقال لا شك أنك تعلم فعالية التلحين في شيوع الكلمات وحفظها من طرف جميع المستويات، والناخب يجب أن يصوت على أساس برنامج المرشح .

إمَــثَّلْ لَــــــتِّحَادْ ** بيهللِّ فِيهْ أجْنَاسْ
النَّاسْ أُيِخْدِمْ زَادْ ** مَصْلَحْةْ أَجْنَاسْ النَّاسْ
وِامْكَوَّنْ سَاسْ إِبَانْ ** تَنْمِيَ بَاشْ امْتَانْ
مَا يِخْتِرْ عَنْ مَكَانْ ** *مَكَانْ أُلاَ عَنْ نَاسْ
نَاسْ أُمِتْنْ الُبنْيَانْ ** أَلاَّ مِنْ مِتْنْ السَّاسْ

 

أمَّا لقائي الأخير مع حامل لواء الأدب واتْمَغْفِيرْ فكان سنة 2016 ، حيث أمضيت معه سحابة يوم في منزلهم بلكصر، وكنت أنوي أن آخذ عنه معظم إنتاجه الأدبي، لكنه أعرض عن ذلك ونأى، “فأهل إكيد ما يُجَبْدُ”، و استعاضني بدلا منه قصصا ومرويات أدبية وتاريخية، تخللتها لطائف ونكت، في الموسيقى، والنقد، واتمحصير.
قلت له إنني أعتبر “كاف الدار” داخلا فيما يطلق عليه أهل البديع سلامة الاختراع، فحسب علمي أن المعنى لم يسبق إليه، ولم يأت بعده من نحا نحوه، وأمثلته في الشعر العربي قليلة لا تكاد تعد على أصابع اليد الواحدة، ومن أجملها عندي شخصيًا قول عنترة بن شداد يصف الذباب:

وخلا الذباب بها فليس بنازح ** غردًا كفعل الشارب المترنم
هزجا يحك ذراعه بذراعه ** قدح المكب على الزناد الأجذم

كما أن بيت عدي بن الرقاع في تشبيه الخشف يعتبر غريبا في نوعه :

تزجي أغن كأن إبرة روقه * قلم أصاب من الدواة مدادها

فطرب- رحمه الله- للأبيات واستزادني من نماذج سلامة الاختراع، وكتبها في دفتر كان بجانبه.

تلك كانت اللقاءات الواقعية الثلاثة، أما الافتراضية فأكثر من ذلك بقليل، حيث كنا نتواصل أحيانا عبر وسائط التواصل الاجتماعي.

أسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يتغمد أحمد بن سيد أحمد بن سيد ميله برحمته الواسعة ويشمله بعفوه، ويسكنه فسيح جناته، فقد كان شهما مسالمًا خلوقا بشوشا برًا بوالديه، كما أسأل الله تعالى أن يلطف بالوالدة فاطمة بنت سيد بن ببكر سيره، ويربط على قلبها، ويجعل أبناءها فرطا لها، ويلطف بالأخوات الفاضلات، ويبارك في عمر السيد محمد وفي عقب الفقيد ويحفظ دوحة آل سيد ميله، ويبقيهم لنا ذخرا وفخرا إنه سميع مجيب.

الأديب المرحوم أحمد بن سيد أحمد بن سيد ميله

 

بقلم يعقوب بن اليدالي

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.