الرئيسية / فيسبوكيات / إن هذان لساحران

إن هذان لساحران

إن هذان لساحران
بينما كنت أتصفح آخر المستجدات حول “كورونا” وصلني تسجيل صوتي، ففتحه على الفور، فبدأت المطربة الشابة امنيتو بنت نفرو تشدو بقطعة شعرية توسلية جميلة، مطلعها:

علينا من الرحمن سور مدور * وسور من الجبار ليس يسور

لم يلفت انتباهي حسن “لبرام” ولا صعود “الردات” وهبوطها، “فامنيتو عاتن”، ولكن ما شد انتباهي هو قدرتها على الغناء “اعل امبالَّ”، فغياب اللحن الفني لم يؤثر على أداء الفنانة، وغياب اللحن النحوي، لم يشوش على أذن السامع.. أهنئك امنيتو من كل قلبي.
“امنيت نفرو، كالت تورار”، فأسكتت الفنانين والمنشدين وهي لم تبلغ عشرا من سنيها، جمعت حسن صوت بياكي إلى “اتشويعير” علية وحسن عزف آماش، وضمت إلى ذلك، ثقافة واسعة وشهادات جامعية، فضلا عن أخلاق راقية وتواضع جم.
أعدت الاستماع للتسجيل، فوجدتني أسرح في تأمل كلمات القطعة وصدق عاطفتها، وجودة سبكها.. وأفكر في سياقها، وتواردت على تساؤلات عدة ترى ما هو الشيء المفزع الذي دفع بالمرأة إلى قرض الشعر؟، هل هاجمتها الأسود الضارية؟، أم اقتحم بيتها قطاع الطرق؟ أم ضلت الطريق.؟ قررت التواصل مع صديقي الباحث يعقوب بن اليدالي، وأحلت إليه التساؤلات التي كانت تدور في رأسي… وعدت للاستماع إلى نغمات امنيتو التي أزاحت عني هموم التفكير في كورونا..
بعد مرور دقائق ظهر لي على شاشة الهاتف، جواب يعقوب على التساؤلات، فقرأته بتمعن، فوجدته يجمع بين التاريخ والأدب والنوادر، والنقد والشواهد النحوية، وأصبحت مشتت الحواس في “ابهار” بين ما تغنيه امنيتو وما يكتبه يعقوب و إن هذان لساحران.
قررت ألا أفوت هذا المشهد الإبداعي عن أصدقائي في الصفحة، فلعله يزيح عنهم غم كوفيد.

(وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
مرحبا بالأمير الأديب
هذه القطعة التوسلية للسيدة مريم بنت أحمد بزيد العامرية رحمها الله، وهي بنت خالتنا فأم والدها ولي الله أحمد بزيد، هي خالة الجد باب أحمد بن يعقبنلل رحمة الله عليهم جميعا، وقد أشار إلى ذلك صاحب أحد أقدم كفان شعر الحسانية : الهكاريات * خلاو اعجب * أحمد بزيد * أباب أحمد
وكما هو حال الكاف، فقد صنف الباحثون قطعة السيدة الصالحة، في خانة النصوص الشعرية القديمة، حيث إن صاحبتها عاشت في أواسط القرن الحادي عشر، وبالتالي فإنها تشكل ثالثة أقدم الأثافي الشعرية في هذه الربوع، مع القصيدة القمحية للشيخ محمد قلي، وواوية الجد الجامع لقبيلة الحسنيين، رحمة الله عليهم. وقد أشار إلى ذلك الشيخ المؤرخ أحمد باب بن بودربالَ رحمه الله، في كتابه تاريخ حياة أهل باركلل حيث قال: ” ما عرف شعر قيل في هذه البلاد قبل شرببه وبقي محفوظا إلى الآن إلا أبيات مريم بنت أحمد بزيد”.
أما سياق الأبيات فقد تواتر عن الثقات والوعاة، أن السيدة مرت مع بنات لها – في سنة شهباء- بحي في لبراكنه، وحاولت أن تحصل منهم على عمل يدوي، تكسب من خلاله قوتا حلالا، فقدمت لهم نفسها على أنها صناع اليد، خبيرة في شؤون الرعي ، وتكتمت على هويتها، ولكن أحد النبلاء شك في أمرها، فأمر لها بلحم جزور وطلب منها أن تحضر له منه قديدا مع بعض الغَمَر، ودسّ لها من يراقبها، وبعد انتهائها من العمل ذهبت إليه وسلمته العيبة، ولكنها فطنت بذكائها إلى أنه كشف هويتها، وقد كان ظنها في محله، فقد حدثه مخبره عن شدة ورعها وأنها لم تلجأ – مع حاجتها- إلى أكل مضغة من اللحم، شدت الرحل و انطلقت مع بناتها في جوف الليل، وحثت السير، ولكن ما إن بزغ ضوء الشمس حتى لحقهم الطلب، فقد أمر النبيل بإرجاعها، لأنه رغب إلى مصاهرتها ، بعدما سمع عنها من الأمانة، فأنشأت هذه القطعة التوسيلية ووقاها الله من السبي.
تشي القطعة باطلاع صاحبتها على الأدب العربي، فقد ضمنت بيتين من نفس البحر والروي، ولكنهما لشاعرين مختلفين، وليس ذلك في متناول الشعراء الهواة، فهذا البيت مثلا:

ترى الأمر مما يتقى فتخافه = وما لا ترى مما يقي الله أكثر

ذكر صاحب كتاب عيون الأخبار، أن رجلا من ولد عمر بن الخطاب كان يتمثل به إذا غتمَّ، وعزاه المقري في نفح الطيب للشاعر محمد بن أبي عبيدة حفيد المهلب بن أبي صفرة، أما البيت الموالي له فصدره أمام وخلف المرء … فهو من الشواهد النحوية مجهولة القائل، والشاهد فيه نصب الظرفين أمام وخلف لوجود، المضاف في الكلام.
من ناحية أخرى فقد يشوش على البعض قولها ” إذا كنت وحدي سائرًا في مضلة”، ظنا منهم أن الأولى قولها “سائرةً”، ولكن هذا النوع يدخل في باب السائغ النادر عند العرب، وله أمثلة عديدة من أشهرها قول الشيخ المختار بن بون رحمه الله

وسوداَء رُمتُ الوصْلَ منها فأعرضت * فقلتُ أمِثلي عنهُ مِثلكِ يَعرضُ
فقالتْ بِلَوني عنكَ ما أنا راغِبٌ …إلى آخر القطعة

أرجو أن أكون قد وفقت في الإجابة على تساؤلاتك … وشكرا على التسجيل الصوتي فقد أطربني جدا … تحياتي)
منقول عن صفحة الأمير المختار السالم بن احبيب

تعليق واحد

  1. يمكن القول أنك كبيرهم الذي علمهم السحر.
    حفظكم الله جميعا و رعاكم و كثر من أمثالكم و أيدكم بنصره.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.