الرئيسية / مقالات / بحوث يعقوب بن عبد الله بن أبن / حضور الأعياد في كنانيش الشناقطة

حضور الأعياد في كنانيش الشناقطة

حضر أدب العيد مبكرا في أدب الشناقطة، حيث ورد في ثنايا الدواوين المتعددة الأغراض، التي ظهرت مطلع القرن الثاني عشر الهجري، وقد جمعنا لقطات حية من حضور العيد في الأدب الشنقيطي عموما، رتبناها تحت أربعة عناوين رئيسية:

أولا: الإغياء بأيام الأعياد في غرض التشبيه: 
اعتبر الشعراء أيام العيد أجمل تشبيه لأيام السعادة والأنس، لما يجرى فيها من مظاهر الاحتفال والاحتفاء والالتقاء بالأحبة، وقد تناوله الشيخ الأديب سيدى عبدالله بن محمد “ول رازك” (ت1144 هـ) في ديوانه من خلال مرثيته للأمير العادل أعمر اكجيل بن هد بن أحمد بن دامان (ت 1702م) فقال:

إلى أين من أيامه العيد كلها *** مأكله مصفوفة و مواعنه

كما أشار إليه أيضا في مديحيته للأمير محمد العالم بن السلطان مولاي اسماعيل في قوله:

أمــير ملوك الكفر أضحوا لسيفه *** كما تبتغى الذبح في عيدها الأضحى

وقد ورد غرض الإغياء أيضا في ديوان الشيخ محمد اليدالي بن محمد سعيد الديماني (ت 1166هـ ):

ديمان في الناس تبر*** و غيرهم كالفخار
و يومـــــهم يوم عيد *** و لــيلهم كالنهار

وقد تناول الشاعر المفلق محمد بن الطلب اليعقوبي ( ت1272 هـ) نفس الغرض في شعره فقال:

أوحش النيش بعد أتراب جمل *** ولـــــقد كـــان آهلا مــعمورا
فالـــديار التي بجــــنب قديس *** عاد معــــمور خيفها مهجورا
فلـــنا فـــي لــــواه أيـــامُ عيد *** عز من قد بدا بهن الحضورا

أما الشيخ محمد المامي بن البخاري (ت 1286 هـ) فقد أكد أن العيد اكتسب الذكر والزينة والفرح من المصطفى صلى الله عليه وسلم وذلك في مديحيته الشهيرة :

ومنــك اســــتفاد العــــيد ذكــــرا وزينـــة *** وصورة فرد للطوائف يهزم

وقد تناول الشيخ امحمد بن احمد يوره (ت 1340هـ) غرض الإغياء بالأعياد في قوله:

وذكـــــــرتنا بأزمــــــان لنا ســلفت *** كأن أيـــــــامها أيـــــــــام أعياد

كما أثاره الأديب الصالح محمد بن آدبه (ت 1957م ) في نص الرشيد الشهير الذي يقول فيه:

بَلْ امْكِــيلْ البِـظانْ أَوَانْ *** الْحَـــــرْ أُتِنْــزَاهْ الشُّبَّانْ
والْبِظَانْ أُخَوْضْ الْكِحْلاَنْ *** وِالنَّاسْ الــرِّفَاعْ الرَّشِيدْ
وِبْلَــدْ زَادْ إِرْفُـــودْ أَ زَوَانْ *** مَرْفُودْ أمَــطْرُوحْ ابْلاَ كِيْدْ
رَفَّـــادُ مِصْـطَادْ أُفَــرْحَانْ *** الْكَسْحَ كَاعْ إِعْلِيهْ ابْعِيدْ
إِجُــــوهْ إِمِلْــيانْ أُكُــمَانْ *** اعْلِيـهُمْ مَافِيـهُمْ رَشِيدْ
عَلاَّهْ المَــــنَّانْ إِعْلَ ظَانْ *** لُكْصُــورْ أُوَسَـاهْ الْمَجِيدْ
أَيَّــــامُ بَــــاطْ أَيَّامْ أَعْـيَادْ *** ولْيَــــالِيـه أُدَوَّارْ الْغـــِيدْ
فِيهْ الغِيدْ إِعْــلَ كَــثْرَ زَادْ *** إِلِّ تِتْحـــَفَّلْ يَـوْمْ الْعِيدْ

وقد ورد أيضا في شعر الشيخ الأديب المختار بن حامد(ت 1993م) وذلك حين يقول :

و زغردت الملاح مغردات *** و غــردت الرجال مع الــملاح
فكان اليـوم فيها يوم عيد *** كعيد الفطر آو عيد الأضاحي

كما وجد الأديب محمدفال بن عبد اللطيف وجها للشبه بين هلال الفطر وراتب الموظف فقال:

ما أصغر الهلال في ليلة *** ثالث شوال على قولة
كأنه مــــــن صغر إذ بدا *** راتب من يعــمل للدولة

ثانيا: التهنئة بالعيد:
تناول شعراء شنقيط غرض التهنئة بالعيد، سواء كان ذلك بمناسبة جلوس خليفة على عرش، أو انتصار زعيم في حرب أو قدوم شخص مهم أوغير ذلك. وقد هنأ المؤرخ الأديب المختار بن حامد ، سفيرمصر بمناسبة النصر في حرب اكتوبر فقال:

عش يا سفير مصر *** واهـــنأ بعــيد الفطر
واحي لجـبر الكسر *** واسعد بطول العمر
وارفع لـــواء النـسر*** لمـــصر رمــــز النصر

وأشاد أيضا بالسفير العراقي، بمناسبة تخليده لعيد بلاده الوطني في انواكشوط فقال:

لــقَّى لنا أهـــلا ولَقَّى مرحبا *** في دعوة الجفلى بفندق مرحبا
نعم السفير سـفير بغداد الذي ***مع بالغ الترحيب بالغ في الحبا
فهو الحكيم مُحنكا وهو الجذيْــــــــل محــكـــكا وهــو العذيق مرجبا

أما الشيخ الأديب محمد فال بن عبد اللطيف، فقد وظف تزامن عبور المصريين للقناة مع عيد الفطر فقال:

أرقت لـــذكرى تـــزيل الكرى *** و يمنـعها القرب أن تذكرا
بذكرى بأســـــــماعنا حلوة *** على مــثلها صــائم أفطرا
عبور الكــماة لمــــتن القناة *** بعزم الثـــباة وحزم العرى

وقد طرق العلامة الأديب محمد سالم ولد عدّود (ت 2009م ) غرض تهنئة الخلفاء بالأعياد فقال:

معاويُ إنــــي لــــــست بالمـــتزلّف *** و لــــست لقرض الشعر بالمتكلّف
و لكنـــها أعيــــاد قــــومي تلاحقت *** فما تقذف الأفراح في القلب يقذف
هـــنئيا لـــك العــــيدان فاسلم لثالث *** بكـــانون يحــيي ذكره كل منصف
ربـــيع و تشـــرين المجـــيد تعانقا *** و قد وقــــفا في الصــــفّ أكرم موقف
ليستقــــبلا كانونك المشــرق الذي*** يطـــل على الآفـــاق إطلال مشرف
لبــــست من العـــــيدين أبهج حلّة *** فأبـــل و أخــــلف ثم أبــــل و أخلف

 

ثالثا:السجال الشعري “لكطاع”:

دائما يكون العيد فرصة، لإنتاج سجالات أدبية شيقة، فقد تصيب أحد الأدباء خَلَّةٌ، فيرسل نصا ظريفا لأحد أصدقائه أو أقاربه الأدباء طالبا منه سدها، ومن أدبيات هذا اللون من السجال أن يمتنع المطلوب من سداد العوز ظاهريا، لكي لا يفقد السجال نكهته وأريحيته. ومن أجمل الأمثلة على ذلك “لكطاع” الذي جرى في المذرذرة يوم عيد الأضحى سنة 1997، بين الشقيقين الأديبين محمد والرجال ابني أحمد بن الميداح، وسنكتفي بطلعتين منه؛ اتكالا منا على شيوعه وذيوعه في الأوساط الأدبية،

يقول الأديب محمد مخاطبا اعل الملقب الرجالَ:

ابــــهمِّ ياعْـــلِ فـيكْ وُ ذيكْ *** عـــادَ فـــــيَّ كاعْ و راجيكْ
ونعرف عنْ هــمِّ صالحْ فيكْ *** و لا يَشطــَنْ كــــاع إلَجَاتْ
مــــنّ دَراعَ كَــطْ اعـــليـــكْ *** مَعْــــنَيْتْ انـــْدوَّرْهَ فِــالفاتْ
و اتْرَاكَ بَـــاشْ انْتَمْ انْــشِيدْ *** و انْعَـــايِلْ ثِـــقَّ و اشْوَيَّاتْ
اتْعَـــاوُنْ زَادْ افْــحَـــالْ الْعيدْ *** اخِـــفْ الْ يَبك ـ وُ وكِيَّـــاتْ

فأجابه الأديب الرجالَ بقوله:

دَراعَ عَــــــنْدِ مَــوجُودَ *** و اتْــــراكَ بيــــهُمْ مَـــرْفُودَ
لَــــفَّامْ وُ عَـنْدِ مَـعْهُودَ *** رُبطَ من نَعْــلْ اطْـرَ مَا فاَتْ
اكثِرْ فالــنَّاسْ و مَنْكُودَ *** صِرَّ عَكْبِــتْ ظَركْ و شِيَّاتْ
فالعـــيدْ اتْعاَوُنْ مَكْرودَ *** عَنْ خَاطيــكْ انتَ وُ وكياتْ
غَيرْ اصَّ نعــطيكْ انفادَ *** مــــرْيَ ذَ كَــــاملْ بالثَّباتْ
مـــــَزالْ إحَــــــانِ لِرَادَ *** لَـــــمْرْ الاَّ للــوَاحِدْ فالذَّاتْ

وفي نفس السياق يأتي “اكطاع” الأديب الحسن بن سيد ابراهيم مع والده محمدن حين خاطبه قائلا:

مِتْــــحَرْكِ نِبْغِ بِالعَجْلَ *** دَرَّاعَ فـِــــالعِــيدْ أتْبَكِّ
وِمَّلِّي مَا تَگْلـــَعْ شِ لَ *** رَيْتْ امْعَ دَرَّاعَ تــركِ

فأجابه الوالد عميد الأدب الشعبي ( ت 2006) بقوله:

دَرَّاعَ تَجـــْبَرْهَ وِتْـــزِيدْ *** ابتْرْكِ يَغِيرْ اتْحَرْكِ
مَا يَعْطِ دَرَّاعَ فِــالعِيدْ *** الْحَدْ أُلاَ يَعْطِ تَرْكِ

رابعا: نصوص من أدب عيد الاستقلال الوطني: 

احتُلت موريتانيا من طرف الفرنسيين مع بداية القرن العشرين، وكجميع الغزاة فقد جلب الفرنسيون معهم أعيادهم، وطقوسهم الدينية، التي من أهمها أعياد الميلاد ورأس السنة. وقد دأب الشباب في سينلوي “اندر” على تنظيم احتفالية بمناسبة رأس السنة يسمونها “فنال”، حيث يصنعون باخرة من الورق المقوى، ويوقدون الشموع بداخل هيكلها، ويختارون في كل سنة سيدا وجيها من أهل المدينة، يطلقون اسمه على “فنالهم”، فينطلقون ليلة العيد حاملين الشعلة يجوبون الشوارع صادحين باسمه وفضائله ومدائحه حتى يصلون إلى بيته، فيعلقونها على باب المنزل الخارجي، ويكون السيد عادة في استقبالهم، مع الوجهاء والأصحاب والأقارب، فيرحب بهم ويقدم إليهم مبلغا نقديا معتبرا، فيشكرونه ويتركون الباخرة موقدة حتى يتآكل ورقها.
وذات مرة سمى الشباب “فنالهم” على أحد وجهاء المدينة، لكنه لم يكرم وفادتهم، بل صدهم وأوصد دونهم بابه، وكان الترجمان الأديب محمد بن ابنو المقداد (ت 1943م)، حاضرا، فاعتذر إلى الشباب عن فعلة صديقه، ودفع لهم المبلغ المطلوب، وكتب أبياته الرائعة الشائعة:

رد هـــــذا الفـــــتى “فنـــــالا” فنالا *** كل عــــــــــــار إذ رد ذاك “الفنالا”
فالفتى من يصــون بالمــال عرضا *** ما الفتى من يصون بالعرض مالا

وبعد حصول بلادنا على عيد استقلالها الوطني سنة 1960، أصبح غرض التغني بالنضال والتحرر من نير الاحتلال، مألوفا عند الشعراء، وقد طرقه الأديب الشاعر أحمدُّ بن عبدالقادر سنة 1966 في رائعته الشهيرة فقال:

فرحة الــعيد أيقـــظت ذكـرياتى *** من صــميمي وحركت خطراتي
حول ماض عشناه دمـعا وحزنا *** وانتفـــضنا منـه انتـــفاض الكماة
واستقـــلت بلادنـا وانتــــصرنا *** باتحـــاد الصــــــفـــوف والجبـهات

كما صور لنا الأديب الأريب محمد بن محمد اليدالي (ت 1990م) بعض مظاهر الاحتفالات المخلدة لعيد الاستقلال الوطني مطلع السبعينات فقال:

هَذَا لــَسْتِقْلاَلْ اسْتِقْلاَلْ *** انْكَزْ ابْلَقْوَالْ أُ لَفْعَالْ
الْــحَـــمْدُ لِلَّهْ أُ لاَ قَــــالْ *** مِنْ زَيْنُ عَـــنْدِ بَعْدَانَ
مَاهُ نَـــعْرَفْ وَقْـتْ الزَّوَالْ *** إمْرَ مِنْـــشَالَ عَجْلاًن
تِتْـــلَفَّتْ وِتْخَــرَّصْ طَـيَّارْ *** مِنْخــــَلْعَ مِـــنُّ فَتْرَانَ
مِنْــــهِيَّ؟ رَاهِ مِنْ لَنْصَارْ *** إِجْـــــنَاتْ أُمِـــنِّ زَدَانَ

ونختم هذه الجولة السريعة في الدواوين الشنقيطية، بنص جيد السبك، كتبه الأديب المصطفى بن المختار السالم التندغي:

سُبْـحَانَـكْ يَالْحَــيْ الــدَّياَّنْ *** يَذَ مِــــنْ تِـــقْلاَبْ الـــــزَّمَانْ
عِـــتْ اتْشـُـوفْ امَّاتْ إِجِرَانْ *** حَاسِيـــهُمْ لَكْــصَانِ مَتْرُوكْ
عَاكِبْ كِنْتْ اتشُوفْ الفِرْكَانْ *** اعْلِيهُمْ مِنْ ذُوكْ أُ مِنْ ذُوكْ
مَا تَيْتْ اتشُوفْ الذَاكْ اتْبَاْن *** ألَا تَيْتْ اتْشُوفْ اتْبَانْ الذُوكْ
يَــغِيرْ اشْـــتَكْــلَعْ مُــوريتَانْ *** دَوْلَ عَــــادْ ألاَهُ مَـــْملُـــــوكْ
وبـْــنَ كَبـــتَالْ افْـــلَوْطـــاَنْ *** بَلْ اخْــــلاَكِتْ بُــــوكْ أبُـبُوكْ
فـُــوكْ ابِـــنْبِ عَادْ البُــنْيَانْ *** وِالفُـــوكْ اعْـــلَ زِيرَاتْ أَجُوكْ

ومن الطريف أن “إِبِنْبِ” كانت تطلق على الغور المسمى حاليا : بوحديدة، أما زيرات أجوك فهي دار النعيم اليوم.

الباحث: يعقوب بن عبدالله بن أبُنْ

شاهد أيضاً

عادات الموريتانيين في الأعياد بعيون شعرائهم

حاولنا في الجزء الثاني من البحث المتعلق بحضور العيد في الأدب العربي، استنطاق باقة من ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.