الرئيسية / مقالات / بحوث يعقوب بن عبد الله بن أبن / حضور العيد في الأدب العربي

حضور العيد في الأدب العربي

مدخل عام

لا شك أن الأعياد من الديانات ولواحق العبادات، ولذلك أوَّلَ ابن عباس رضي الله عنهما، لفظة المنسك، الواردة مرتين في سورة الحج بأنها تعني العيد، وقد باشرت البشرية الاحتفال بالأعياد منذ زمن بعيد، ويُعد الفراعنة من أقدم الشعوب اهتماما بها، وأكد ذلك ما جاء في سورة طه على لسان فرعون: (قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى).

وبعد مرور خمس مائة وألف سنة على عيد فرعون، أنشأ الحواريون عيدا خاصا بهم، جاء ذكره في الذكر الحكيم، من خلال حوار جرى بين الحواريين والمسيح عليه والسلام، وقد ورد مفصلا في سورة المائدة (قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ).

أما العجم فكثيرة أعيادهم، ومن أهمها النيروز و المهرجان، وأول من سن تقديم الهدايا بهما للخلفاء في الإسلام الحجاج بن يوسف الثقفي، لكن عمر بن عبد العزيز أبطلها، واستمر سريان القرار، إلى أن أرسل أحمد بن يوسف الكاتب بهديته الشهيرة إلى المأمون.

يقول البحتري (ت 284هـ) مهنئا المعتضد بالنيروز، بعدما ألغى طقوس العجم المصاحبة له:

إنّ یومَ النیروز عادَ إلي العــهـــ         ــــد الذي کان سنه أردشیرُ
أنتَ حولتـَه إلي الـــحالــــةِ الأو        لي و قد کــانَ حائراً یستدیرُ

أما عيد المهرجان، فيحتفلون به في فصل الخريف وفي ذلك يقول الشاعر:

أحبّ الـــــمهرجان لأنّ فيه ***سرورا للـــــملوك ذوي السّناء
وبابا للــــــمصير إلـى أوان *** تـــفتـَّــح فــيــه أبـواب السّماء

تنقسم الأعياد العربية في الجاهلية، إلى زمانية ومكانية، فالزمانية غير موحدة، حيث أن لكل جهة من عرب الجزيرة، أيامها وبطولاتها، ومن أشهر أعيادهم انتصارُهم على كسرى في ذي قار، ومعركة الصفقة، ويوم بُعاث وغيرهم… أما الأعياد المكانية فيتفقون على ما كان منها كالشعائر الدينية في موسم الحج. ومن أقدم الشعراء العرب الذين ورد لفظ العيد في شعرهم تأبط شرا،  لكن العيد الذي عناه ليس من الشعائر، بل تلك المشاعر التي تعتاد الشخص من شوق وخيال زائر.

يا عـــــيد مالك من شـــوق و إيراق *** و مَرِّ طيــفٍ علــى الأهـوال طراق
يسرى على الأين و الحيات محتفيا *** نفسي فداؤك من سار على ساق

كان العرب في الجاهلية؛ شيعا متفرقين، وفرقا مختلفين، فاليهودية منتشرة في حمير وبني كنانة وبني الحارث بن كعب وكندة، و المجوسية في بيوتات تميم ومن أشهر معتنقيها؛ زرارة وابنه حاجب والأقرع بن حابس وغيرهم. أما النصرانية فكانت في ربيعة وقضاعة والغساسنة. يقول النابغة الذبياني (ت 604 م) في مدح ملوك آل جفنة الغسانيين، وقد خص عيد الشعانين الذي يطلقون عليه اسم السباسب بالذكر في قوله:

رقاق النعال طَيِّبٌ حُجُـــزاَتـــــهُمْ*** يحيون بالريحان يوم السباسب

  كما مدحهم  حسان بن ثابت  (ت 38 هـ)، ووصف في شعره بعض تحضيرات عيد الفصح:

قد دنا الفصــــح فالولائد ينظمـــ      ن ســـراعا أكلة التيجان

يجتبين الجــــــادي في نقب الريـ      ط علـيها مجاسد الكتان

ذاك مغنى من آل جفنة في الدهـ     ر وحـــق تعاقب الأزمان

أما قريش الحمس، فرغم أنهم أهل الحرم وسدنته، إلا أن عمرو بن لحي بث فيهم الوثنية، فقد ذكر ابن كثير، أن عثمان بن الحويرث ونفرا من قومه، دخلوا على صنم لهم ليلة مولد المصطفى صلى الله عليه وسلم، فرأوه منكبا على وجهه، فأنكروا ذلك وردوه إلى حاله، فلم يلبث أن انقلب مرة أخرى، فقال عثمان:

أيا صنم العـــيد الـذي صف حوله *** صنـــاديد وفـد من بعـيد ومن قرب
تنكست مغلــوبا فـما ذاك قـل لنا *** أذاك ســفيه أم تـنــكست للــعتب
فإن كـــان من ذنب أتــــينا فـــإننا *** نــــبوء بإقــــرار ونلوي عن الذنب
وإن كنت مغلوبا ونكـست صاغرا *** فما أنت فـــي الأوثان بالسيد الرب

وقدم صلى الله عليه وسلم المدينة، ولهم يومان يلعبون فيهما فقال ما هذان اليومان؟ قالوا كنا نلعب فيهما في الجاهلية، فقال: ( إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَبْدَلَكُمْ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا : يَوْمَ الْأَضْحَى ، وَيَوْمَ الْفِطْر) ، كما وجد أيضا يهود المدينة وخيبر يخلدون يوم عاشوراء، فأمر المسلمين بالاحتفال به.

كان العرب في أعيادهم ومواسمهم، يتزينون بأحسن الثياب، والملابس الفاخرة، والحلل والبرود الموشاة، كما يقيمون حفلات غنائية وفلكلورية يضربون فيها بالدفوف والمزاهر والكران، و يتفرجون على السَّبْق في الحلبات بين الفرسان، ولعب  الزنج والأحباش بالدرق والحراب…أما ألعاب فتية العرب وأصبيتهم، فمختلفة منها: الحاجورة، وعظم وضاح، والحوالس، والمفايلة، وهذه الأخيرة هي التي أشار إليها الشاعر طرفة بن العبد في معلقته بقوله:

يشق حُباب الماء حيزومها بها *** كما قسم الترب المفايل باليد

حضور العيد في دواوين شعراء العرب 

سلطنا الضوء في هذا القسم على عينات من دواوين أشهر شعراء العصر الأموي و والعباسي والأندلسي.

أولا: حضور العيد في دواوين شعراء الدولة الأموية:

غاب أدب العيد عن أغلب دواوين الدولة الأموية، فلم أعثر إلا على شذرات نادة وإشارات عابرة، يبدو من خلالها أن الشاعر جرير بن عطية اليربوعي (ت 110 هـ)  قد حضر احتفالات النصارى والمجوس بأعيادهم وانبهر بها ووظفها في تشبيهاته ، في حين غابت مظاهر الاحتفالات العربية والإسلامية عن شعر معاصريه ، يقول جرير:

كأنَّ المرجفينَ وهمْ نشاوى ** نَصَارى َ يَلْعَبونَ غَداةَ عِيدِ

ويقول أيضا:

بها الثيرانُ تحسبُ حينَ تضحى ** مَرَازِبَةً لَهَا بِهَرَاة عِيدُ

أما الشاعر يزيد بن الحكم الثقفي فقد أشار إلى المعنى اللغوي للعيد، في مطلع قصيدة يمدح بها هشام بن عبد الملك فقال:

أمسى بأسماء هذا القلب معمودا *** إذا أقـــــول صـــحا يعتاده عيدا

كأنني يوم أمـــــسى ما تكلــمني *** ذو بغية يبتغى ما ليس موجود

ثانيا: حضور العيد في دواوين شعراء الدولة العباسية

بعد قيام الدولة العباسية، أصبح العراق ساحة التقاء لحضارات وثقافات مختلفة: كالعرب، والفرس، والهنود، وحدث نتيجة لذلك تفاعل فكري وعلمي، انعكس أثره على الشعر والأدب، وقد لاحظت أن غرض تهنئة الخلفاء والأمراء بالأعياد بات مطروقا، حيث نجد أشجع السلمي (ت 196هـ) يهنئ جعفر البرمكي فيقول:

لا زلت تنشر أعيادا وتطويها *** تمضى بــها لك أيّـام وتثـنيها

مستقبلا جدّة الدّنيا وبهجتها *** أيّامــها لك نـظم فـي لياليها

العـــيد والعيد والأيّام بينهما *** موصولة لك لا تـفنى وتفنيها

كما هنأ البحتري (ت 284 هـ) الخليفة العباسي العاشر المتوكل  بعيد الفطر في قوله:

بالبر صمت و أنت أفضل صائم *** و بســــنة الله الرضية تفطر

فانعـــــم بعــــيد الفطر عيدا إنه *** يوم أغر من الزمان مشهر

وقد شهد غرض التهنئة بالعيد، حضورا قويا في الشعر العباسي، على يد ابن الرومي (ت 283هـ) سواء من حيث الكم أو الكيف، ولعل تداخل جينات الشاعر، جعله يحتفل بالأعياد جميعا، فمن المعروف أن أباه من أصل رومي، وأمه فارسية مسلمة متدينة، وولاؤه لبني العباس، كما أن ممدوحه  عبيد الله بن عبدالله بن طاهر ينحدر من خراسان.

وما يميز شعر ابن الرومي عن غيره، أنه كان دائما يتنبه إلى تصادف أو تقارب حلول الأعياد فيشير إلى ذلك بطريقة لطيفة، يوظفها في الإشادة بممدوحيه، وإليكم نماذج منها، قيلت كلها للأمير عبيد الله:

عيدٌ يطابق أولَ الأســبوع ** وقــــعتْ به الأقدارُ خيرَ وقوعِ

للفألِ بالإقبال فيه شاهدٌ ** عدلُ الشهادة ليس بالمدفوعِ

وقوله:

عيدان مجموعان في عيدِ ** دليلُ تأكيد وتأييدِ

ما جُمعَ الفطرُ إلى جُمعةٍ ** إلا لمُـلك ولتخليدِ

وقوله

جَرَى الأضحى رَسِيل المِهرجانِ ** كأنهــــما مَعاً فرسا رِهانِ

ولــــــــم يتـــتابعِ العــــــيدانِ إلاَّ ** تنافُسَ رؤيةِ الملكِ الهِجان

كما أبدع أيضا في استخدام العيد في التشبيه وذلك حين يقول:

سأنظرُ نحو دارك حين أخشى ** على كبدي التُّفتتَ من بعيدِ

كما نـــظر الأســـير إلى طليقٍ ** يؤمُّ بـــــلادَهُ لحـــــضور عيدِ

وفي أوج ازدهار الدولة الحمدانية نجد المتنبى (ت 359هـ) يطرق غرض التهنئة بالأعياد، فيزيده رونقا وجمالا، ويشغل به الشعراء بعده. وذلك بعدما هنأ سيف الدولة، بعيد الأضحى سنة اثنتين و أربعين و ثلاث مئة (342هـ) بقوله:

هنــــيئا لك العــــيد الذي أنت عيده *** و عيد لمن سمى و ضـحى و عيدا

و لا زالـــت الأعـــياد لبــــــسك بعده *** تــسلم مـخروقا و تعـطي مجددا

فذا اليوم في الأيام مثلك في الورى *** كما كــنت فيهم أوحدا كان أوحدا

ثالثا: حضور العيد في دواوين شعراء الأندلس

لم يهتم الناس في العصر الأندلسي الأول بصناعة الأدب، نظرا لانشغالهم بالفتوح، وفي عصر الخلافة ظهر الشاعر الأديب ابن عبد ربه (ت 328هـ)، فطرق الأغراض الشعرية المعروفة، وضمنها التشبيهات البليغة بجماليات العيد، وذلك مثل قوله يوم بويع الناصر لدين الله في قرطبة:

يا مَن عليهِ رداءُ البــأسِ والــجودِ ** من جودِ كفِّكَ يجري الماءُ في العودِ

لمَّا تطلعتَ في يومِ الخميسِ لنا ** والنــــاسُ حولك فـــــي عيدٍ بلا عيدِ

وقوله يمدح الأمير عبد الله بن محمد بن عبد الرحمان بعد انتصاره في معركة حصن بلاي:

لقد شفعت يومَ العروبةِ عندها *** بعــــيدٍ لنا فيهِ السلامةُ والنجحُ

ذبائحُ راحتْ يومَ عيدِ لــــحومها ** وما ازدَانَ عـــيدٌ لا يكــونُ بهِ ذبحُ

كما نجد الشاعر الناثر ابن زيدون(ت 463هـ) يطرق غرض التهنئة بالعيد، مع بداية عصر ملوك الطوائف، من خلال نص خاطب به الأمير أبا الوليد بن جهور فقال :

وبشراك أعياد سينمى اطرادها *** كما اطردت في السمهري كعاب

فأبل وأخــلف ، إنــما أنت لابس *** لــــهذي الليالي الــغر وهي ثياب

وهنأ أيضا – بعد انتقاله إلى اشبيلية-  الملك المعتضد بعيد الأضحى سنة 446 هـ، بقوله:

وَبُشرَاكَ عِيدٌ بالسّرُورِ مُظَلَّلٌ ، ** وبالحظّ ، في نيلِ المُنى ، متكنَّفُ

بَشِيرٌ بِأعْيَادٍ تُوَافِيكَ بَعْدَهُ ، ** كما يَنسُفُ النّظمَ المُـوالِي ، وَيَرْصُفُ

كما نجد لسان الدين بن الخطيب (ت 776هـ) يتناول نفس الغرض في العهد المرابطي فيقول:

أضحى بك الأضحى وقد طلعت به ** شمس الضحى وكلاكما شمسان

وقد أضفى الشعراء الأندلسيون، بصمتهم الخاصة على أدب التهنئة بالعيد، فأخرجوه من الأروقة والباحات، إلى الأزقة والساحات، فأصبح الشعراء يتناولونه في الإخوانيات كقول الشاعر:

وجيرة لا ترى في الناس مثلَهُمُ *** إذا يــكون لهم عيد و إفطارُ

إن يوقدوا يوسعونا من دخانِهُمُ *** و ليس يبلغنا ما تنضج النار

 وقول أبي البقاء خالد البلوى يخاطب إلفه برسالة هناء:

أهنئ بالعيد من وجــهه ***هو العيد لو لاح لي طالعا

وأدعو إلى الله سبحانه *** بشــــملٍ يكون لنا جامعا

الباحث يعقوب بن عبدالله بن أبن 

سنتناول في العيد القادم التقاليد الموريتانية في تخليد الأعياد من وجهة نظر الشعراء

شاهد أيضاً

عادات الموريتانيين في الأعياد بعيون شعرائهم

حاولنا في الجزء الثاني من البحث المتعلق بحضور العيد في الأدب العربي، استنطاق باقة من ...

تعليق واحد

  1. دراسة علمية بامتياز بذل صاحبها جهودا مضنية من أجل جمع شتاتها من جميع مراحل الشعر العربي أرجو أن تفكر في نشرها في بعض المجلات المتخصصة فهي تستحق ذلك عيدكم سعيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.