الرئيسية / تأملات / نظرة على حقيقة الموت

نظرة على حقيقة الموت

هي حقيقة من تلك الجرع المريرة التي نبتلعها يوميا وغصبا عنا ونزيح بعض طعمها بقطع من المألوف وفينة من النسيان، حتى نعيش وجودنا بهدوء، فنحن على يقين أنها نهاية كل أبناء جلدتنا..ونهاية كل مخلوق.. لكنها ليست النهاية .. بل هي البداية..! لا توجد منطقة من الوجود تستعصي على اللغة فاللغة تحوي الكون بالأكبر، إلا أن بعض أجزاء اللغة التي تصف بعض محطات الوجود تأتي قاسية ومخيفة ومن تلك الأجزاء ظاهرة الموت.. لم نعرف الحياة جيدا حتى نعرف الموت ..لكننا نثق بوجودنا من أول لحظة حتى اليوم ؛ وحتى أننا نشعر انقطاع الوجود ونعرف كل شيئ عن مستقبلنا، فلم يترك لنا الوحي مجهولا من القادم إلا وأوقفنا عليه بالرسم وترك لنا الخيار في الترسم حتى يصبح معية أو يضمحل في ذهننا.. إننا نحن المسلمون نقف يوميا أمام أعظم تحد قد يتصوره عقل بشري فنحن ننطلق من الحقيقة نحو الواقع،حيث أننا نعيش هذه الديمومة بمعرفة سابقة لمستقبل الوجود، ولا زلنا نتعجب ونستغرب ونقف مندهشين من بعض ظواهر الوجود التي نعرف عنها أكثر مما يعرفه غيرنا.

ولكن بشريتنا دائما تتفوق على حقيقتنا، ونبحث ونتساءل عن العلم والمعرفة ونقرأ ونبحث وفي جعبتنا من الحقائق ما يمكن أن يغذي العالم ويكفيه كل عمره عن السؤال. فما هو الموت؟ يمكن أن نعرف الموت على ثلاث مستويات:

الموت بالنسبة للعقيدة:

هي أجل ثابت ينهي حياة الانسان الابتلائية وينقله إلى عالم البرزخ.. أول محطات الجزاء والموت بالنسبة للحقيقة لحظة انفصال الجانب البشري من الانسان مع الجانب الروحي المودع به والذي به تستقيم بشريته و لا يدرك ذلك الجزء في هذه الفترة من الحياة..

الموت بالنسبة للواقع:

وهي ما يطلقه الناس على الفناء ..فلان مات اي انتهى كل شيئ …بالنسبة له، نهاية حياة إنسان أو شيئ ما. .

والذي نقصده نحن هو

الموت بالنسبة للحقيقة:

فحين نتحدث عن الموت فنحن نقصد المرحلة الانتقالية من حياة الانسان الطويلة والتي مرت بجملة من مراتب الوجود من الأبد إلى السرمد..ونظن أن كل حياتتا تقتصر على هذا العمر القصير الذي يمضيه في حياة الابتلاء رغم أهميتها.. ورغم ما تبعثه ظاهرة الموت في قلوب البشر والمخلوقات على سواء من رعب وهيبة إلا أنها ليست سوى نهاية مرحلة نحسبها أقرب شيئ لأنفسنا ونحسبنا ألصق بنا من غيرها أو لأن خروجنا منها جاء بالصدفة وعن غير رغبة ويصاحبه مرض أو ضعف،،لكننا نخطئ جدا حين نظن أنها أخرجتنا من أمتع لحظات حياتنا فأمامنا ما هو أعظم ..فلماذا لا نخاف الميلاد ؟ هل لأن وعينا لم يولد بعد ؟ أم أننا فعلا نستجيب لذلك الانتقال لكن مستوى التعبير الذي نملك لا يسعفنا ؟؟أم أننا ننسى كل ذلك مع دخولنا لعالم الحياة التي تستقبلنا.وليست القصائد الرثائية التي يبدع بها شعراءنا سوى انعكاس لذلك الرعب الكامن في النفس وهو بمثابة تهدئة للنفس حين شعورها بنفس المصير الذي ينتظرها.. إننا لم نخلق للفناء وإنما خلقنا للأبد ..والذي يجعل ظاهرة الموت أشد وقعا علينا أنها جزء من الغيب نبصره كل يوم ونحن على يقين على أنه سينالنا ولا نفكر في تحليله وفهمه بقدر ما نخافه ونستعيذ منه، وما يحجب عنا كنهه هو تناقض العالم الذي نعيشه والعالم الذي تؤول بنا إليه..فنحن ننقل الأشياء من الجهل إلى المعرفة بالعقل والنظر والمقارنة والحواس وليس الغيب والحقيقة من الاشياء التي يمكن أن تتحيز في مساحة العقل، لكن الايمان يجعلنا نتجاوز جانبها الغيبي لنقف عليها كأي موقف صعب قد نتعرض له في حياتنا العادية..وفي ذلك يتفاوت الناس في تصورهم للأشياء الغيبية حسب الايمان وقوة الاعتقاد..وسعة الممكن والفهم.

ديدي النجيب

شاهد أيضاً

رسالة من مفردات رمضان

لكل ظرف من ظروف حياتنا العادية مجموعة من المفردات تتعلق به نفسيا واجتماعيا، وترتبط به ...

تعليق واحد

  1. ديدى أحسنت ما شاء الله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.