الرئيسية / سلسلة مقالات الأستاذ محمد فال بن عبد اللطيف / نمط غريب من مثقفينا … الأستاذ محمد فال بن عبد اللطيف

نمط غريب من مثقفينا … الأستاذ محمد فال بن عبد اللطيف

إن هذا الرجل الذى تصفونه بالثقافة الواسعة و تعتبرونه أحد أساطين الأدب و التاريخ في بلادنا هذه. يحسن كل شيء عن مارى انطوانيت زوجة الملك الفرنسي التى كانت وبالا عليه. فقتله الثوار من أجلها و قتلوها معه. إنه يعرف لون فستانها و ذوقها في الرقص و الموسيقى ، وقائمة من يرتادون صالونها من الأدباء و العلماء و الفنانين يعرف ذلك كله، و لكنه يجهل من أي بطون قريش أبو بكر الصديق و لا يعرف من أسماء بنات النبي عليه الصلاة والسلام إلا فاطمة الزهراء رضي الله عنها و لا علم له إطلاقا بأم معبد الخزاعية ، و إذا حدثته عن زبيدة بنت جعفر زوجة الخليفة الرشيد ظنك تتحدث عن إحدى بنات قبيلة النمادى.

و من غريب أمر هذا الرجل أنه يسمى صلاح الدين الأيوبى بما سماه به الأمراء الصليبيون “صلادين” لا يعرفه بغير هذا الاسم و يظن أن اسم الأردن بالعربية من جردانيا. و أما اشبيلية الأندلسية فإنه يطلق عليها اسم سقلية. و مع ذلك فهو من سادات المثقفين و المفكرين و له دسته المعروف في منابر الفكر و ندوات الأدب و التاريخ و له قول مسموع في تلك الربوع.

أشفى على الثمانين من عمره فأصبح ذا شيبة في الاسلام بل أسير الله في أرضه ، وهو مع ذلك لا يكتب العربية و لا يقرأها و لا يحفظ من كتاب الله إلا ما يحفظ الذئب من بردة شرف الدين البوصيرى. و مع ذلك يوصف بالعلم والأدب.

أما أنا فأقول و بدون أي تحفظ، إن هذا المسكين ضعيف العقل ضعيف الايمان، ضعيف العقل إذ لو كان له أدنى مسكة من عقل لحدته إلى الاعتناء بدينه الذى هو عصمة أمره و بآخرته التى إليها معاده.

فبدلا من أن يظل سادرا يعوم في بحور جهله و تيارات أهوائه يعمد إلى من يعلمه ما لا يسع جهله من العقائد و العبادات و “مصلحات ” القلب .و بدلا من أن يكتفي من علم سيرة النبي عليه الصلاة والسلام بما جاء في فيلم الرسالة يأخذ السيرة من معينها الصحيح ، و يتشرب قلبه حب أبطالها حتى يلوح له بياض صورهم تحت سواد النفس الذى كتبت به سيرهم . هنالك يعلم أن أبابكر الصديق من بطن تيم بن مرة، و أن للنبي صلى الله عليه وسلم ثلاث بنات أخر  هن زينب و رقية و أم كلثوم ، ويعلم أن زبيدة زوجة الرشيد هي هاشمية لا نمداوية و أنها والدة ابنه محمد الأمين.

ضعيف الإيمان لأنه لو كان الإيمان خالط بشاشة قلبه لما أهمل نفسه حتى يبلغ من الكبر عتيا و هو لم تبد له رغبة في تعلم هذه اللغة التى أرسل بها إليه ربه الكريم كتابا كريما فيه صلاح حاله و مآله ، أهمل ذلك كله و شغل بتعلم اللاتينية القديمة و بناتها و الآداب اليونانية و الرومانية و ما كتب راسين و لا مرتين و لافنتين و فلتير و مولير و لابروبير و ألفريد دفنى و ألفريد دموسى و غيرهم، و لا يحفظ بيتا واحدا لحسان بن ثابت و لا يعلم من اسمه حسان إلا جد الأعاريب الموريتانية. لو كان قلب هذا الرجل يحتوى على مقدار حبة خردل من إيمان لما رضي لنفسه بهذه الدرجة من الانحلال.

و أخطر من هذا كله و أدهى أن هذا الرجل سيربى أبناءه على جادة ما اختاره لنفسه و يتولى في تدريسهم  غير سبيل المؤمنين في المدارس الأجنبية الغربية  الموجودة على تراب الوطن.

هؤلاء البراعم سيسقون ماء الكفر و النفاق وهم صغار و يعلون به و ينهلون وهم كبار فإذا أصبحوا سادة المجتمع فقد أصبح سادته الجهال فإذا ساده الجهال فقد أصبح الناس لا سراة لهم فإذا أصبح الناس لا سراة لهم فقد أصبحوا فوضى ، هذا ما نطقت ألسنة العرب منذ القدم.

يقول بعض المحللين إن هذا النمط من المثقفين إنما هو ثمرة و اقع تاريخي معين لا دخل لهم في شيء من أمره و أنهم في طريقهم إلى الانطفاء و بانطفائهم يتغير ذلك الواقع التاريخي فلا حاجة بنا إلى ثورة ثقافية. أرجو أن يكون ذلك صحيحا و ما إخاله كذلك فهذا العرف متجدد متجذر متمدد و يأتيه المدد من قوم آخرين.

و إذا كنا لا نرضى عن هذا الوضع فلابد أن نأخذ لمعالجته أقراصا ربما تكون مرة و تكون عافيتها حلوة. ومن بين هذه الأقراص بل هو أجداها و أنفعها ، إصلاح التعليم إصلاحا يأتيه من فوقه ومن تحته و عن يمينه و عن شماله لا يدع شاذة و لا فاذة إلا أحصاها.

التعليم الصالح –هذه “علها يبردها”  كما يقال – هو الذى ينتج الأجيال الصالحة القادرة على وراثة الأرض  وعليه المعول في إعداد نابتة القوم لتحمل المسؤولية حين يحين ذلك.

و إلى أن يتم ذلك لابد من التعامل مع هؤلاء السادة الجهلة بتاريخهم و دينهم  و أهلهم، المهرة في آداب غيرهم ، الحملة لقيمته المدافعين عنه شعوريا و لا شعوريا و يقال لهم السادة و يوصفون بالذكاء و الثقافة والعلم والأدب.

و هنا سنح لى حديث شريف سمعته على وجه الدهر فأخلق به أن ينطبق على هؤلاء و معناه أنه إذا كان في آخر الزمان يقال للرجل ما أحذقه الخ.. وهو لا يزن عند الله بعوضة.

نستغفرك اللهم مما اغتبنا به هؤلاء و نعوذ بك من شرور أنفسنا و سيئات أعمالنا  ومن سوق الشهوات إلى سوق الشبهات كما قال القاسم الحريري في مقدمة مقاماته.

وعلى الله المعول فى الآخر و الأول.

بقلم الأستاذ: محمد فال بن عبد اللطيف 

نقلا عن جريدة الشعب العدد 10756 الصادر بتاريخ 28 يوليو 2015 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.