الرئيسية / مقالات / بحوث يعقوب بن عبد الله بن أبن / معاناة المُعلمين ….. يعقوب بن عبدالله بن أبـُــن ْ

معاناة المُعلمين ….. يعقوب بن عبدالله بن أبـُــن ْ

جمع عبد السلام بن سعيد الملقب بسحنون (طائر حديد البصر) بين دفتي كتاب جميع سماعاته من شيخه عبد الرحمان بن القاسم العتقي ، و أضاف إليها أجوبة نفيسة لنفس الشيخ أجاب بها تلميذًا له آخر يدعى أسد بن الفرات، و أطلق سحنون على ديوانه اسم المدونة الكبرى ، فأصبحت فيما بعد إحدى أهم أمهات المذهب المالكي يلقبونها بالأم، و قد اعتمد عليها خليل في مختصره مشيرًا إليها ب “فيها” .

أصبحت فيهم غريب الشكل منفردا *** كبيت حسان في ديوان سحنون

كما صنف ابنه محمد – منتصف القرن الثاني الهجري- رسالة تدعى ب آداب المعلمين ضمنها رؤية تربوية في غاية النضج، و مع أن الرسالة لا تتجاوز 26 صفحة إلا أن سطورها تشي بخبرة كاتبها في ممارسة التعليم. فقد ذكر ابن سحنون أن القرآن هو منبع العلوم، وحثّ المدرسين على البدء به، و أوضح أحكام المسائل المتعلقة بتدريسه كالأجرة والختمة.. كما حضّهم أيضًا على تعليم الفقه والنحو و الشعر و تحسين الخط والرسائل … واشترط في تعليم تلك المواد الأخذ بعامل التدرج؛ بحيث لا ينتقل المعلم من درس إلى آخر، إلا بعد أن يحفظه المتعلمون . ثم وضع ضوابط لعلاقة المعلم بالمتعلم فذكر مبدأ الثواب و العقاب، وأفتى بأنه لا يجوز للمدرس ضرب التلميذ فوق الثلاث إلا بإذن وليه، كما أكد على ضرورة تفرغ المعلم لأداء مهمة التعليم، و أسقط عنه حضور الجنائز وعيادة المريض ، و جعل عطلة الأسبوع من عشية الخميس إلى السبت و حدَّ عطل الأعياد بثلاثة أيام ، وشدّد أيضا على أهمية العدل بين الصبيان، و حثّ المدرسين في ختام الرسالة، على ضرورة إشراك الأسرة في تدبير شأن المتعلم.

قف للمعلم وفه التبجيلا *** كاد المعلم أن يكون رسولا

وقد ألف الجاحظ كتابًا في نوادر المعلمين ضمّنه العديد من القصص والمواقف الطريفة منها أنه قال : مررت بمعلم وقد كتب لغلام (” و إذ قال لقمان لابنه وهو يعظه” ,,, ” يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا” ,,, ” فمهل الكفرين أمهلهم رويدا “) فقلت له : ويحك لقد أدخلت سورة في سورة، فقال نعم إذاكان أبوه يدخل شهرا في شهر، فأنا أيضا أدخل سورة في سورة.

شوقي يقول و ما درى بمصيبتى *** قم للمــــعلم وفه التبجيلا
اقعد فديتك هل يكون مبجلا *** من كان للنشء الصغار خليلا

كما تناول شيخنا الأستاذ محمد فال بن عبد اللطيف معاناة المعلمين في كتابه الموسوم ب حاكم مقامة حيث شخّص في خمس صفحات، الحالة المزرية التىي عاشها المدرسون في مقاطعته آنذاك، ومن أطرف ما ذكر فيه أن السيد المختار بن أوفى -رحمه الله- كان مديرًا لمدرسة بيلكة ليتامه، وقد أرسل إليه مرة رسالة بليغة قال فيها: “بعد تقديم السلام التام ، و ما يليق من التبجيل و الاحترام ، إلى مقام حاكم مقامه، أخبره أن الجدار الذي كان يهدد بالسقوط في مدرستنا قد سقط بالفعل، و لم يصب أحد بأي أذى والحمد لله”.

إن المـــعلـم والطبيب كليهما *** لا يـــنصحان إذا هــما لم يكرما

المعلم هو ثالث الأبوين، لذلك يتوجب وضعه في ظروف ملائمة؛ تمكنه من القيام بعمله على الوجه المطلوب، لكن مجموعة من العوامل – ليس هذا محل بسطها- تضافرت لتزيد من معاناته أثناء أدائه لمهمته النبيلة، و بما أن من بين المعلمين شعراء – والشعر شعور- فقد بات الأدب متنفسًا ينفثون من خلاله ما تكنه الجوانح.

وقد وقع اختيارنا على جملة مفيدة من أدب المُعلمين، حصلنا بعد استنطاقها على أوصاف مختلفة من المعاناة، جرى ترتيبها في عشرة عناوين. وقد أعرضنا عن بعض النصوص الشهيرة، اتكالا منا على شيوعها و خوفًا من الإطالة بالإخبار بالضروريات.

Capture

الإلتحاق بمقر العمل:

أول مشكلة تواجه المعلم الجديد هي استلام عمله ، فمسطرة القوانين الوطنية، تحظر على المتعلم حديث التخرج العمل في أول أرض مس جلده ترابها ،و لا تجيز له التدريس في المدن الكبرى، فليس أمامه خيار، إلا أن يلتحق بمقر عمله خالي الوفاض بادي الإنفاض.
وقد سجل لنا الشيخ المختار بن حامد -رحمه الله- رحلته لاستلام عمله في مدرسة النقلي، في إحدى مقاماته الجميلة؛ حيث جعلنا نرافقه خريف 1947 في رحلة من لكوارب إلى أطار مرورا بانواكشوط و إينشير واظبيعية وعين أهل الطايع… و أشار في عدة مقاطع منها إلى المشاق التى لا قاها؛ سواء منها ما يتعلق بتعطل السيارات، أو من صعوبة الطريق، خصوصًا عند قوله: “فلما أسحرنا قمنا * وعدنا إلى مراكبنا * فلما استقلت للظعن بنا * قلنا : بئس و الله السير * على بئس العير.”

تنـــوع لي نـــفع الجوار المبارك *** أمدرسة النقلي مذ كنت جارك

كما اصطحبنا الأديب الشاعر لمرابط بن دياه في رحلة التحاقه بمقر عمله في مدبوك، خريف سنة 1990؛ من خلال أرجوزة جيدة السبك والحبك يقول في أولها:

هـــذا و إن مــــــهنة المعلم *** تــــقوده لـــــعلم ما لم يعلم
تجعله يعرف أصناف البشر*** و يدمن التجوال فيها والسفر
خرجــــت من مدينة العيون *** أرنو إليــها نظر المحزون
إلى كُـــــبَنِّ ثم منها للحدود *** و الله أعلم متى سوف أعود

و قد ذكر المعلم الشاعر في أرجوزته، الأعطال التى طرأت على السيارة طيلة الرحلة و ما ترتب على ذلك من التشمير والتهجير و التأخير ، فقال:

أصــــابها بعد خـــروجنا عـــطب *** وجمعوا لها الحشيش و الحطب
بقـــرب ڮُنـْـــڮَـــلَ توقف الوقود *** عن الصعود فاستطاعوا أن يعود
وبــــدلوا بها الفـــــتيل المحترق *** و أنشــــأ الســــائق يحدو و طفق
واتـــــجه الـــــسائق نــحو شارا *** ثـــم أقـــــام عـــــــندها نـــــهارا
من عـــــــطب أصابه في العجله *** في حــــــفرة مــــــمطورة مبلله

وقد أتحفني الأستاذ محمد فال بن محمد محمود بقصيدة في غاية الروعة و رصانة الأسلوب، تشي بمعرفة صاحبها بالشعر وفقه اللغة، كتبها الأستاذ أحمد سالم بن بتاه سنة 1986، أيام كان يتولى تدريس مادة اللغة العربية في ثانوية روصو. وتدخل القصيدة في إطار نقد بعض التصرفات- التى تتنافى مع أخلاق مجتمعنا المحافظ – و اللتي ظهرت آنذاك في ساحة ثانوية اكزافييى كبلانى .
وقد بدأها بوصف دقيق لمعاناته اليومية مع الحافلة التى تقل الأساتذة إلى الثانوية، ثم ثنَّى بنقد سلوك التلاميذ الذكور، وثلث بالنكير على تصرفات التلميذات؛ ولعلهنَّ هنَّ المقصودات بالقصيدة التى جاءت في 54 بيتا من بحر البسيط، وسنختار منها مقطعا يعطينا فيه الشاعر فكرة عن معاناته اليومية مع حافلة الثانوية فقال:

أغدو لحـــافلة كالـــــرال جافلة *** للصبح تسبح في هاب من الترب
يصـــم أذني أزيز الريح أحسبه *** غارا تأجــــج فــيه النــار ذا لجب
في قارس من ندِىِّ البرد يرهبه *** قحـــم الكلاب فيدني الرأس للذنب
تشـــق حيزوم خرق قاذف قتم *** في راقص من بحار الآل مضطرب
و تنثني و أوار الشمس يرمضها *** بلــــفحة من أوار الـــحر كاللهب
إذا تعــــالج وعر الأرض راكبها *** يهـــتز فيها و ما يهتز من طرب

التأقلم مع الوسط الجديد:

يتوجب على المعلم أن يتأقلم بسرعة مع وسطه الجديد والذي عادة ما يكون مختلفا عما تعود عليه في السابق ، ودائما يلاقي المعلمون الأمرين في محاولة التأقلم مع البيئة الجديدة؛ خصوصا عندما يقومون بالاستدانة من تجار التجزئة، و يستخدمون غير المطلق من المال في العادات و العبادات، كما يجبرون أحيانا على تغيير أنماطهم الغذائية، وتحمل القيظ والقر الشديدين، وقد جمع الأديب الشاب باڮَا بن الب أغلب هذه النقاط في نص من “مرماد ” أحسن فيه و أجاد فقال:

ذِ لَرْضْ دَاحِــــــسْنِ مَاهَ *** مِنْ بِـــــيرْ جَ وللَّ حَاسِ
ألَخْـــــيَارْ يَانَ مَــــعْطَاهَ *** لِخْـــــيَامْنَ عَــــايِدْ ڮَاسِ
مَدْحُوسْ عِتْ اتْبَانْ انْتَ *** و الْحَرْ مِنْ كِيـــفِنْ سَنْتَ
مَدْحُوسْ حَتَّ مِنْ ڮِرْتَ *** أمَدْحُـــوسْ حَتَّ مِنْ بَاسِ
والْقِــــــسْمْ دَاحِسْنِ حَتَّ *** ألاَ تَـيْــتْ عَارِفْ شِنْوَاسِ

وقد أخبرني معلم من أهل إيكيد، أنه أرسل للتدريس في ريف الضفة منتصف الثمانينات و استضافته أسرة فاضلة، ولم تبخل عليه بالإكرام و الإدام طيلة الأشهر الأولى من السنة، لكنه لما مرَّ بصاحب الدكان كي يسدد إليه ديونه فاجأه حجمها ، فسأل التاجر مستفهمًا لا منكرًا عن سبب ذلك؟ فقال له أما إن أفراد الأسرة التي تسكن عندها ، ليأخذون جميع مستلزماتهم عندى بوثائق عليها توقيعك وقد احتفظت بها كلها ، فأحس المعلم بالحرج فلا هو قادر على مفاتحة الأسرة بالموضوع لشدة كرمهم و لا هو قادر على ضمان رد أمانات التاجر إليه، و بعد تفكير قال للتاجر هل لك أن تعاهدني على أن تكتم علي ما سأطلبه منك ، فقال له التاجر أي و الله فلن أحدث به إنسيا ، فقال له كل وثيقة تأتيك من عندي سيكون توقيعي في رأسيتها  بحرف الباء، فإذا كانت نقطته فوقه فتلك أمارة على أن الوثيقة مني فلتقم بإنفاذ ما فيها ، و أما إذا كانت نقطة الباء في  محلها المعهود، فعليك أن تجد عذرا مقبولاً ترد به صاحبها. فقال التاجر حبًا وكرامةً وكما يقولون في العبارة الشعبية “حِيلَ أُ لاَ عَارْ”

النِّعْمَ فِـتْشَوْعـِـيرْ *** رَيْتِ حَڮْ الرَّايَ
وجْبَرْتِ سِنْيَاتِيرْ *** مَجْمُـوعْ الڮَرَّايَ

وقد حدثني الأديب الراوية محمد بن جار الله – أطال الله عمره- بقصة طريفة وقعت للمعلم الأديب محمد يِلَّ التاكاطي – رحمه الله- عندما حول تعسفيًا إلى إحدى قرى ريف صانكراف، فتأخر في الالتحاق بمقر عمله، و أبلغت عنه السلطات الرسمية، فأرسلت إليه بعثة تفتيشية يترأسها الحاكم، فلم تجده في المدرسة، و لما علم بقدومهم، توجه مباشرة إلى القسم، فقدَّم له المفتش استفسارًا مكتوبًا عن سبب تغيبه الدائم عن  مقر عمله،  فأجابه بالكاف التالى:

حَدْ أوفكت لآدْوَابَ *** مَا تِنْشَافْ اعْلِيهْ
إلَ عَـــنْهَ لادْ و آبَ *** بـِــيهْ أبِــيهْ أبِيهْ

فتفهم الحاكم ظروفه و حوله إلى مدرسة حضرية ، و تجدر الإشارة إلى أن بعض الرواة ينسبون هذا الكاف إلى الطيب بن ديد رحمه الله.

وفي نفس السياق، رسم لنا معلم آخر همومه في لوحة فنية من ” لبتيت التام” ، ختمها بعبارة مفادها أن مهنة المعلم هي الأحق بلقب مهنة المتاعب:

ذَانَ نِسَدَّرْ فِرْڮُوڮَ *** لاَبِـــسْ دِخَّــــانَ مَشْڮُوڮَ
مَا عَنْدِ فِــبْلَيْدَ تَوْڮَ *** نِسْـــــتَنْشَقْ دِخَّــانْ أدَبَايْ
ونْڮَّرِ تِرْكَ مَغْلُوڮَ *** فِمْبَارْ امْلاَنْ امْنْ أحَــفَايْ
يَلاَّلِ مَــحَرْ الزَّوْڮَ *** أمَعِـــظْمْ اذْنُوبَكْ يَالْڮَرَايْ

ضعف مستوى تلاميذ القسم:

عهد في الثمانينات إلى الأديب اللامع أحمدُّ بن أبنو بتدريس قسم سادس؛ جُمع فيه بعض التلاميذ الذين لم يتمكنوا منذ سنوات من التجاوز إلى الإعدادية، فلم تعجبه أجسامهم و لا أخلاقهم ، وقد عبرعن ذلك صراحة في ڮَافه الشهير:

خَالِــــعْنِ ڮِـــلّتْ ذِلْكُمْ *** تِـخْرِيصَ فَمْ أزَيْمَ
وادُّرُوسْ اتْــــجِ تَلْكُمْ *** واتْرُدُّولِ في الْڮَيْمَ
واصْحَاحْ أعِتُّ كِلْكُمْ *** لاَحِڮْتُ ڮَاعْ الْخَيْمَ

أما الأديب ول ألما بن المختار بن دادا ، فكان طيلة مقامه في تيريس يدرس القسم الخامس ذكور، وفي بعض السنوات اضطر إلى استبدال نصف تلاميذه الذكور بالبنات خرقا لقاعدة للذكر مثل حظ الأنثيين، لكنه لا حظ أن تلميذاته لا تشاركن كثيرا في الحصص فقال:

شِــــمْنْ اتْلاَمِيدِ مَا انْزَادْ *** مِنْ يَــوْمْ الْجَانِ لاَجَ
ألاَ يِرْفِدْ صِبْعُ كُونْ زَادْ *** ساعت قـــَضَاءْ الْحَاجَ

و قد عانى الأستاذ الشيخ اليدالي بن الدين – أيام تدريسه في إحدى إعداديات العاصمة – من عدم اهتمام التلاميذ بدرس اللغة العربية، واطلع على ضعف مستوياتهم فيها، وقد عبر عن تلك المعاناة من خلال قطعته الشعرية الجميلة:

حنــــانيك للأســــتاذ أيام درسا *** لقـــسم به ركب الغــباوة عرسا
تحكم بغض الضاد فيه و جهله *** لها رافـــضا فاختار أن يتفرنسا
كتــــبت لهم نصـا كتابة ناصح *** يذلل فيـــه كل صعب ليدرسا
و ناديت منــهم للـــقراءة داعيا *** فلم أر فيـهم من لها قد تحمسا
كأني للصمت الرهيب دعوتهم *** و حـق الذي في ذاته قد تقدسا
جنـــحت لهم نحو التهجي لعله * يكون و هل تجدي هنا علَّ أو عسى
فــحاول بعض منهم نطق كلمة *** و أفسد إخراج الحروف و نكسا
فقلت له اكتب ما تــقول فخالني *** أقـــول له طــــلس فقام وطلسا
أظــــل بـــهم يومي أكابد هكذا *** كــــأني أنـــادي أو أكلم أخرسا

و من الطرف التى تتندر بها المجالس، ما يروى من أن معلما حول إلى مدرسة ريفية ، فبدأ حصته بسؤال وجهه إلى أحد التلاميذ قائلا: من الذي فتح الأندلس؟ فصاح الصبي و الله ياسيدي ما فتحت الأندلس و لا اقتربت منها ، فطرده المعلم من القسم، فراغ إلى أهله فسألته أمه عن السبب وراء قدومه المبكر ؟ فأخبرها بأن المعلم الجديد اتهمه بفتح الأندلس و طرده، فقالت له أما إنك لجاهل مشوش غبي و لا أستبعد أن تكون قد فتحتها وعبثت بمحتوياتها، و أخذت بيده و ذهبت به مسرعة إلى المدير فلما دخلت عليه و قصت عليه القصص ، قال لها ياسيدتي هذا معلم جديد و متشدد و أقترح أن يقر الصبي بفتحه للأندلس، لكنه سيلتزم أمامنا جميعا أنه لن يكرر ذلك أبدا، لعل المعلم يتقبل ذلك منه، فأقر الصبي على مضض بأنه من فتح الأندلس و ذهبوا به إلى الفصل، و أخبر المدير المعلم باعتراف الصبي و بضمانة أهله بعدم تكراره لفعلته، فقابل المعلم الشفاعة و أرجع طارق بن زياد إلى فصله.

الغربة والحنين إلى الأهل:

يحتل الحنين إلى الأهل، و تذكر الربوع والمعاهد حيزا هاما من نصوص أدباء المعلمين، و ربما يرجع ذلك إلى أن النفس بطبعها تحن للمحل الأول، وهذا الشعور اللا إرادي يتحد فيه الشعراء، لكنهم يختلفون في طريقة التعبير عنه، فنجد مثلا الشيخ الأديب زيدٌ بن حدَّمين -رحمه الله- يصرح بأن شدة الغربة أثرت على ملكاته الشعرية، وذلك عندما حول سنة 1957 إلى ولاية الحوض الغربي، و بدأ بالنوارة لاستكمال بعض الإجراءات الإدارية، وهناك كتب ڮَافه الشهير :

رَفِّتْ لِــــغْنَ مِنِّ طَارِتْ *** وْبعِتْ أهْلِ فِي النِّوَارَ
غَـيْرْ الْمَرْءُ حَيْثُ دَارَتْ *** بِــــيهِ الْـــمَقَـادِيـرُ دَارَ

أما الأديب الراحل الطيب ول ديد  – رحمه الله- فقد فكر بصوت مرتفع عندما كتب لنا في “لبير” حوارا جرى بين قلبه وعقله ، يذكره الأول بتعلقه بمن يحبهم، وشح الأخبار التي تصله عنهم، واستبعاد لقائهم المنتظر في الراحة المدرسية، أما عقله فيضعه أمام مسؤولياته الإدارية وشؤون تلامذته و مدرسته. وقد أجاد في الصناعات اللفظية المعروفة عند نقاد شعر الحسانية ب الإفلاق و “اتْرَوْسِ” حين قال:

الرَّاحَ تَـــرْجَ ڮَــالْ حَدْ *** مَارِسْ والنَّاسْ إلاَّ اتْرِدْ
وَانَ بِاللَّـــيْعَ نِــــــنْزْهِدْ *** مِنْ شِ جَــــدِيدْ أدَارِسْ
والْــهَمْ اعْــلِيَ زَادْ شَدْ *** والدَّارِسْ و اهْلِ مَارِسْـ
لُولِ لَخْــــبَارْ ألاَ انْڮِّدْ *** يَكُـــونْ انْتَــــمْ انْمَارِسْ
هَمْ الْمَــدَارِسْ مِنْ ابْلَدْ *** واتْـــلاَمـِـيدْ الْــمَدَارِسْ
يَغَــــيْرْ امْنَيْنْ إتَّمْ بَعْدْ *** الــرَّاحَ تَـــرْجَ مَــارِسْ
وَانَ بِا للَّــــيْعَ نِــــبْتْلَ *** والْــــهَمْ ألاَّ يِـــــدَّارِسْ
وَيْلْ الْهَـــمْ أوَيْـــلْ اتــْ *** لاَمِــيدْ أوَيْلْ الْمَدَارِسْ

طبيعة العلاقة بالمفتش :

لاحظ الشيخ الأديب أحمد ُّبن اتاه بن حمينَّ ،ملوحة زائدة في مياه قرية كان يدرس فيها سنة 1967 ، فكتب أبياتا جميلة، و أرسل بها إلى مفتش التعليم العربي آنذاك السيد تيرنو عمر ، فطرب المفتش للأبيات، و حوله في الحال إلى مكان ملائم، و الأبيات هاهي كما رويناها عن الشيخ :

فمني إلى ذي الطبع والخلق السمح *** مفــتش تــــعليم الـــعروبة بالنصح
ومن دأبه لـــين و حــــلم وســـؤدد *** و ميل إلى الإحسان والعدل والصلح
ســــلام كريا فــــارة الـمسك فتها *** أخو العطر في أنف الصبا فلق الصبح
فمـــوجــــبه إنا لنــــحمد ســــعيكم *** فســعيكمُ مســتوجب الحمد والمدح
و” بيدك ” قـــصر ليس يوجد مثله *** و ما إن علـــــمنا في أهـاليه من قدح
و لكن ماهُ صـــار ملـــحا وما لنا *** يــــدان على اســـــتعمال ذالكمُ الملح

أما الأديب ول ألما بن المختار بن دادا ، فيبدو أن علاقته بمفتشه لم تكن في أحسن حالاتها ، وذلك عندما زار الأخير مدرسته في شهر الصوم ، وبدا متسامحا جدا مع بعض المعلمين ، بيد أن أديبنا أحس باستهداف المفتش الشخصي له من خلال إصراره على الاطلاع على بعض الجزئيات، التى تغافل عنها أثناء تفتيشه لزملائه  فكتب ڮَافه التالى، وهو تحت تأثير شعور الإمتعاض من تصرفات المفتش:

الْمُفَــــتِّشْ جَـــانِ نَعْسَانْ *** وابْلاَ تَحْضِيرْ أسِجِلِّ
فَارِغْ وِ جَــازِيـهْ ابْلِحْسَانْ *** الِّ ما ڮَاعْ الْحَڮْ جِلِّ

ومن طرف التفتيش ما حدثني به السيد محمد بن أحمد بن الميداح أنه كان في مهمة تفتيشية في مدينة المذرذرة وبعد ما انتهى منها، دخل المكتب ليرتب أوراقه حيث كان على أهبة السفر إلى انواكشوط، في إطار مناسبة اجتماعية خاصة به، فلاحظ وجود ورقة على المكتب، فقرأها فإذا فيها الڮَاف التالى:

امْنــــَيْنْ أوفَ هَـــاذَ لَــــــوانْ *** التَّفْــتِيشْ و ذَاكْ إفَادَ
عَـنْـدِ عَنْ ظَرْكْ الْزِمْ ڮَـولانْ *** يالْمُفَتِّشْ بَعدْ : العَــادَ

فكتب في مقلوبها الكاف التالي:

ذَ الْڮَافْ الزَّيْنْ الْ مَشَّيْتُ *** شَدْ ابَانْ أخْبَارْ العَــــادَ
غَيْرْ آنَ بَــــاطِلْ مَا رَيْتُ *** شَــدْ اخْبَارْ المُسَاعَـــادَ

تسيير الكفالات المدرسية:

قدم برنامج الغذاء العالمي، بالتعاون مع البلديات دعمًا للتمدرس يتم من خلال الكفالات المدرسية؛ التي توفر بعض المواد كالأرز والسكر و الزيت و القمح و “افارين” والحوت والبيض المجففين أحيانا ، للتلاميذ المنحدرين من أسر فقيرة. ويكلف مدير المدرسة بالإشراف على العملية، حيث يقوم بتعيين خازن – وعادة ما يكون أحد المعلمين- يشرف مباشرة على تنفيذ تغذية المكفولين. لكن المواد المخصصة للكفالة، قد تنقص خلال مختلف المحطات الإدارية التى تمر بها.
وقد عدد الأديب الأريب اشريف بن أبرهام فى نص جميل جميع المعوقات التي قد تحد من وصول الكفالات إلى المكفولين فقال:

مَاهُ فَالْ اتْشِكْ السُلْطَ *** وَ اهْلْ الْـكـفَالَ عَنْ يَخْطَ
مُسَيِرْ مِنْ يِنْڮِبْ بَطَّ *** وَللَّ ثِــنْتَــيْنْ الدَّهْرْ امْتِينْ
والْمُدِيرْ افْتَوْ الذَغْطَ *** يَڮْــــــــبَظْ يَدْمَ وَللَّ ثِنْتَيْنْ
والْمُفَتِّشْ خَوْفْ الْمَرْطَ *** مَا يَڮْلَعْ لَبْنُ مِتْنْ الدِّينْ
والْـــوِزَارَ مَا تُــــــخَطَّ *** بِالْڮَمْحْ أمَارُ مِجْتَمْعِينْ
وَشْمَرْ فُكْمَ وَمْتَنْ ظَبْطَ *** بِيـــــهَلِّ ڮِرْعتْهَ فَارِينْ
والْخَـــــازِنْ نَارُ مَا تَبْطَ *** بِالسِّكْرْ امْدَاوِ حِرْڮْ امْتِينْ
والْبَيْظْ اعْلِيهْ احْبَظْ وِسْطَ *** مَا ڮَـطْ انْشَافْ الَّيلُ اسْنِينْ
وِفْذَاكْ الْخِـــلْطَ مِرْتَبْطَ *** وتْسَـــيَّلْ مَالْ الْمَسَاكِينْ
وامْــــنَيْنْ اتَّـــــمْ الْكفّالَ *** وَنڮَالَ دُونْ الْمَكْفُولِينْ
مَا يَلْحَــــڮْهُمْ مِــــنْهَ فَآلَ *** كُونْ إلَعَادْ أسَخْ لَيْدِينْ

وفي نفس السياق نجد الأديب حامد بن ميلود -رحمه الله- يذكرنا بمعاناة المعلمين خلال ما يسمى بالملتقيات التكوينية، و ذلك حين شارك في أعمال ملتقى حول مقاربة الكفايات وتسيير الكفالات، فلم يعجبه محتوى التكوين و لا الظروف التى جرى فيها فقال:

أهْلْ الْمِلْتَاقَ فِيهْ سِيڮْ *** وِعْلِيهْ ألاَحِــظْ يَاسِرْ
نِظَامُ خَاسِرْ وِازْرِيڮْ *** خَاسِرْ وَ أتَايُ خَاسِرْ

رقابة الامتحانات و المسابقات:

تمثل رقابة الامتحانات و المسابقات، نوعا آخر من معاناة المدرسين؛ فدائما يجري تنظيمها أواخر السنة في حمَّارة القيظ، حيث يضطر المراقب إلى ترك مقر إقامته و يتوجه إلى قرية بعيدة في ظروف قد لا تكون ملائمة، ثم يقضي أياما في صراع مع التلاميذ و ذويهم، الذين يستخدمون أحدث وسائل الاختلاس يقول الأديب الشاعر محمد لمجد بن محمد لمين في هذا الصدد:

في حجرة مثل جحر الضب ناضحة *** بالــنـتـن ملأى بـأنـواع الـخـنـافــيـس
راقــــبـت أبوام نحس كـلهم نــــكـد *** تــبـدو على جــسـمـه آثـار تـفـلـيـس
لا شايَ لا خبزَ لا ماءٌ و لا لــــــبـنٌ *** و لا جــمــال لإنــعـاش الأحــاســيـس
و مــــا يسمى مجازا بالنسا خــشب *** مسندات كــــــأمثال الـجـــوامـيـس
يـبسمن عن سفن سود مــفـلـطـحة *** رست على العاج في بحر من السوس
وثـــــم أطــــلال فتيان مـمــــــزقـةٌ *** بالجوع كـلـــــهُـمُ يـــــبدو كــــدبـوس
كـــــم صولة لهُمُ في الاختلاس وكم *** تهامسوا خـفـيـة خـلـف الكـوالـيـس
يارب لا نـجـحوا فى الامـتـحان ولا *** نالوا سوى الشؤم و التـبخـيس والبوس

أما الأستاذ محمد فال بن محمد محمود فقد وجد نفسه في امتحان صعب ، حين أرسل ضمن فريق من الأساتذة للرقابة على الباكالوريا في إحدى الولايات الشمالية، لكنه استغرب من تغيير مفاجئ طرأ على الطاقم الذي كان يرافقه؛ حيث تم استبدال أغلب أعضائه بأساتذة جدد، وما إن مرت أول ساعات اليوم الأول، حتى فهم سر ذلك التغيير، حيث باشر الفريق الجديد بحل المواضيع لبعض المترشحين ، وهو ما أثار عند المراقب الأديب نوعا من الاشمئزاز، عبر عنه من خلال كافه التالي الذي كتبه بخط كبير على السبورة:

جَيْرِ بَكْ الْجَانِ خَسِيسْ *** لِلْكِشْفَ بَعْرَاضُ سَاخِ
النَّايِــبْ رَاخِ وِالرَّئِيسْ *** رَاخِ والْمُــرَاقِبْ رَاخِ

كما نجد نفس الأستاذ الشاعر، يعالج في نص آخر شائعة تسريب الباكالوريا التىي شاعت و ذاعت منذ سنوات فقال:

كم تلق في الناس من شاك ومن باك *** لم يرض عما يشاع اليوم عن “باك
هل قـد تــــسرب حـــقا بكـنا أســـفا *** أم أنــــه قـــــــــول نمـام و أفـاك
الأمـــر ملـتـبـس و الخـلـق مخـتلف *** والْبَـــكُّ كـالنـــاس شاك أمره باك

معاناة المرؤوس من الرئيس:

تحت هذا العنوان، جمعت بعض النصوص التى عبر فيها مدرسون عن معاناتهم من بعض أفراد الأسرة التربوية وفي مستويات مختلفة، فهاهو المفتش الأديب المختار بن محمدا يبدي استغرابه من عدم تعيينه، خصوصا أن زملائه – الذين تخرجوا معه في نفس السنة- قد تم تعيينهم، فعبر عن ذلك بطريقته الخاصة فقال:

قالوا و مالك لا تحظى بتعـيـيـن *** فـيمن يعـين من حين إلى حين
قلت المقاييس حتى الآن تمنعنى *** و ربما بعد حين سوف تعطينى
و للأمـــــور قوانين و تلزم في *** بعض الأمور مراعاة القوانـين
قالوا وما أسس التعيـين قـلت لهم *** عـفوا فــذلك أمر ليس يعنـيـني

وقد أشار السيد محمدن بن أحمد عالم في بيتين جميلين إلى عدم التزام المعلمين العاملين معه ببرنامج مداومة الأسبوع الذى أقروه معا، فصار صاحبنا هو الوحيد الذي يحضر كل يوم قبل الوقت، ليشرف على إدخال التلاميذ في أقسامهم، ودق الجرس فقال في ذلك المعنى:

مداومة الأسبوع حبر على ورق *** وسيان مسبوق إليها ومن سبق
ولكن هــــذا الجامد الصدء الذي *** يـرن إذا مــــا دق لابد أن يدق

أمَّا الأديب محمد بن الميداح فقد ذكر أن حرارة حفاوة استقبال المدير الجهوي له ، متعلقة بطبيعة المهمة التى قدم من أجلها ، فإذا كان قادما لاستلام مواد الكفالة يكون الاستقبال حارا و حميميا، أما إذا قدم للتزود ببعض المستلزمات المدرسية كالطباشير و الدفاتر فإن الاستقبال يكون جافا و جافيا. فقال:

اعْلَ لِڮَوَارِبْ هَــاكْ اعْيَيْتْ *** نِنْڮَـــَزْ الاَ ڮَـــدَّيْتْ اشْوَيْتْ
ءُ نِسْـــبِڮْ فِــدَارِتْنَ لاَ جَيْتْ *** ءُ ذَاكــــوَّ هـــوَ ڮَـاعْ أرَايْ
غيْرْ امْجِيَّاتِ ذُو الْ عَدَّيْتْ *** مَاهُمْ وَاحِدْ و اوْقَاتِ جَايْ
مَرَّ مـــُديرْ انْعــــــُودْ اكْبيرْ *** ءُ مَرَّ ڮَرَّايْ انْعُودْ ءُ رَايْ
قِيمــــِتْ ذَاكْ ءُ وَقْتِ مُدِيرْ*** مَاهُ كِيـــفِتْ وقْـــتِ ڮَــرَّايْ

وقد حدثني مؤخرا أحد المعلمين المتقاعدين، أن الدولة قررت في السبعينات، الاستعانة ببعض مرتادي المحاظر، لسد النقص المسجل في المدرسين ، و قد أرسل اثنان منهما إلى إحدى القرى النائية ولبثا بها سنينا عددًا، فقررا ذات يوم أن يشعرا الدولة بمعاناتهما، فعمدا إلى قصاصة صغيرة و كتبا فيها طلبا للتحويل موجها للوزير و أرسلاه عبر البريد . وهذا نص الطلب :
المعلمان اللذان يدرسان في انجڮُنان يطلبان التحويل في الأوان 
لم يرق طلب المعلمين وزيرَ التعليم آنذاك، نظرا لعدم التزام كاتبيه بأبسط قواعد التحرير الإداري، لأنه ببساطة ليس شخصيا و لم يحترم الشكل المعهود ، ولم يصل عبر السلم الإداري ، كما أن إرسال طلب إلى وزير في قصاصة عبر البريد قد لا يكون تصرفا لائقا ، فما كان منه إلا أن كتب على ظهر القصاصة ما يلى :
ليعلم المعلمان اللذان يدرسان في انجُڮُنان أنهما مفصولان في الأوان

كبت الشعور والأحاسيس :

هذا النوع من المعاناة يختلف عن الأصناف التي تعرضنا لها سابقا، لأنه يتعلق بالشعور والأحاسيس ،فقد تثير الصفات الخَلْقِيَة، والطباع الخُلُقية لبعض رواد الفصل، شعورًا خاصًا لدى بعض المعلمين، فمنهم من يكنه بين جوانحه، ومنهم من يبوح به من خلال لغة الجسد والإيحاء، و منهم من يكتفي بتخليد ذلك الشعور في شعر طريف.

وقد أخبرني الأديب الرَّاحل بلِّ بن دِيدِ – رحمه الله-، أن الدكتور جمال بن الحسن -طيب الله ثراه-، طلب منه بعد نهاية إحدى الحصص، أن يتبعه إلى مكتبه، في المدرسة العليا لتكوين الأساتذة، وأسرّ إليه بأبيات جميلة، عالج فيها معاناته النفسية مع طويلب علم كان قد درسه وقال له ” حافظ على هذه الخاطرة لكي لا تضيع″، يقول محدثي فأوعيتها أذنا صاغبةً وحفظتها من حكاية واحدة، وهي:
بنفسى – وهون فيه أن أتلف النفسا- *** طـويـلب عــلم ما وجدت له جنسـا
أتـاحت لنا بعض اللــــيالى لـقــاءه *** فــلـقـنـتـه درســـا و لـقـنني درســــا
ألــقـنه درسـا فـيـنـسى وحـسنـه *** يـلـقـنـنى درســــا من الوجد لا ينسى
لئن حال صرف الدهر بـيني وبينه *** و أمسى محل الدرس في نفسه درسا
لقد ذكــرتــني أشـهــر الـبعد بــعــده *** دروس هـــيام لا أمـــر و لا أقــسى
بيد أن المديرين أيضا، ليسوا بمنأى عن معاناة الأحاسيس؛ فها هو الأديب محمد بن أحمد بن الميداح، يعبر بطريقته الخاصة، عن امتعاضه من الاحترام والتقدير، الذي يعامله به طويلب علم أثناء إدارته للمدرسة رقم 1 في المذرذرة، وقد اخترع لنا في خاتمة النص مسلمة تربوية طريفة فقال:

احْـتِـرَامِ خَـــلِـيـهْ *** رَانِ لِكْ مَـا نِــبْـغِـيهْ
ذَاكْ ألاَّ خِصِّ بِيهْ *** الْڮَـرَّايْ افْـلِـكْــلاَصْ
فَالدَّشْرَ لاَ رَيْـتِـيهْ *** احْـتَـرْمِيهْ ابْـلَرْهَاصْ
وَانَ مُدِيرْ الْهَــيْهْ *** مَانِ ڮَاعْ ابْشِ خَاصْ
وِالْقَـانُونْ أرَاعِيهْ *** يَـكَـــــانُ مَاهُ نَــاصْ
عَنْ لَحْتِرَامْ أخَيْرْ *** فِــلْڮَرَّايَ وِخْـــلاَصْ
وِاحْتِرَامْ الْمُـدِيـرْ *** إيڮَسِّ ڮَاعْ الـــرَّاصْ

أما الأديب الشهير عابدين بن التقي فقد عالج نفس الموضوع من زاوية أخرى أكثر تصريحا، و ذلك من خلال نص جميل صاغه على شكل رسالة لصديقه المدعو باب، وقد تصرفت قليلا في التافلويت الأخيرة :

لَـحَّــــڮْـلِ يَـحَدْ امْڮَافِ *** وَاعِدْ بَـابَ عَنِّ وَافِ
مِـنْ تَــــلْ أعَـنِّ مُعَافِ *** وِنِّ هَـــذَانَ فَــوْطَانِ
مَـزِلْتْ الَّ مَـــانِ حَافِ *** وِشْــمَـذَاكْ انْرَ بِظَانِ
أبِظَـانِ ذِيكْ أفْطَنْ كَافِ *** وِنِّ مَزِلْتْ اعْلَ مَـانِ
وَانَ ڮَـــاعْ اشْلاَهْ انْطَرِّ *** هَانَ هُوْنْ أحَالِ هَانِ
ألَـبَــاسْ اعْــلِيَّ وِ انْڮَرِّ *** فــُـلانَ مِنـْـت اْلفُلانِ

الإحالة إلى التقاعد :

يحق للموظف إذا أمضى المدة القانونية للخدمة، أن يستفيد من حقه في التقاعد المعروف شعبيا ب “رترت” ، ونظرا لضآلة التعويضات التى تقدمها الدولة، فإن الموظفين وخصوصا المعلمين لا يحبذون الإسراع بالاستفادة من هذا الحق. و إلى ذلك يشير الشيخ المختار بن حامد بقوله:

ما يفعل المرء إذا رترتا *** وجاءه رترته بغتتا

ويروى أن السيد التقى بن بلال – و كان من المتكلمين بالقرآن – لما وصله إشعار بإحالته إلى التقاعد تلا قوله تعالى: ( ذلِكَ تَخْفيفٌ مِنْ رَبكِّم) فصارت هذه الآية تعرف في ما بعد بآية رترت.

يعقوب بن عبد الله بن أبن

تنويه هام:

أتقدم بجزيل الشكر للشعراء الذين أتحفوني بنصوصهم بكل سهولة و أريحية ، كما أمدني بعضهم بالسياق الذى كتبت فيه بعض تلك النصوص، و قد حرصت على الاتصال بهم من أجل التثبت من النسبة وتصحيح النصوص، أما الشعراء الذين رحلوا عن عالمنا فقد اعتمدت في تصحيح نصوصهم على أقاربهم.

13 تعليق

  1. الأخ شادى وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
    شكرا على التعليق لكنى اعتمدت في نسبة الأبيات على الأستاذ الشاعر لمرابط بن دياه – وهو عندنا غير متهم – وقد أعدت عليه الاتصال بعد تعليقكم فأكد لى أنه لا يساوره أدنى شك في ما قاله و أكد لى نسبتها للشيخ اليدالى.
    ثم إنى قرأت مؤخرا تدوينة للمدون meden habiboullah حول نسبة نفس الأبيات وقد خلص فيها المدون بعد جملة من التعاليق إلى صحة نسبة الأبيات للشيخ اليدالى وقد كتب المدون أنه اتصل بالسيد الخضر والأستاذ اتقى ول الشيخ والشاعر لمرابط بن دياه.
    أرجو ان يكون اللبس قد زال في هذه القضية و الشكر موصول لكم على حرصكم على صحة العزو.

  2. شاد / النيه 31214121

    السلام عليكم ورحمة الله،للتصحيح :قصيدة “حنانيك للاستاذ” للشاعر ” الخضر ولد النيه” وليست للشيخ اليدالي.

  3. أستاذ يعقوب أطلب منك أن ترسل لي نظم عبد الله ولد أحمد سالم في الأنساب بصوت أحمدو ولد اخليل على هذا الإيميل :
    Elmou7ib77@gmail.com

  4. هذه جواهر من الأدب الغض نظمتها أيها الأديب يعقوب بعقد فريد لألاء، وأنا هنا أردد قولي دائما إن ما يميز مقالاتك أنها ملأى بالأدب والمعرفة من غير أن يثقل ذلك على القارئ لما تتمتع به من ظرافة وسلاسة، إننا نشتاق دوما إلى ما تكتب فهو طراز فريد وممتع حقا بارك الله فيك ولا عدمناك

  5. أبدعت وأجدت ما شاء الله ونرجو أن تزيدنا من هذا فنحن في شوق ولهفة إلى كتاباتك القيمة

  6. اخي يعقوب ابدعت واجدت وافدت من دون مجاملة
    بداية فى العمل ونهاية في التقاعد تخلص ممتاز من
    عبارات المعلمبن. احسنت.

  7. قالوا و مالك لا تحظى بتعـيـيـن *** فـيمن يعـين من حين إلى حين
    قلت المقاييس حتى الآن تمنعنى *** و ربما بعد حين سوف تعطينى
    و للأمـــــور قوانين و تلزم في *** بعض الأمور مراعاة القوانـين
    قالوا وما أسس التعيـين قـلت لهم *** عـفوا فــذلك أمر ليس يعنـيـني

    جزيت خيرا أستاذنا يعقوب …جزيت على هذه الأبيات التي عبّر صاحبها الأستاذ الكبير ولد محمدا عن كثير …

  8. جميل جدا ومفيد ..جمعت بين الظرافة والأدب كالعادة جزيت خيرا يا يعقوب.

  9. Yacoub,
    C’est excelent.
    Les textes sont bien choisis.
    Decidement, tous les grands poetes de ce bled étaient des enseignants: Demba, Lemrabott Deyah, Abidine, Tiyeb,.. et j’en passe et des meilleurs.

  10. بحث رائع جمع الفائدة مع الطرافة و العمق مع السلاسة رصعته بمختارات شعرية غاية في الروعة حٍزْتَ قصب السبق في إخراجها من كنانيش أصحابها إلى العالم الإفتراضي. و لاشك أن المعلم هو همزة الوصل بين الماضي و المستقبل يستحق منا كل الإحترام والإعتراف بالجميل و لا فلاح للإمة لم تقدر معلميها حق تقديرهم.
    وتحضرني مقولة الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران

    “Etre enseignant, ce n’est pas un choix de carrière, c’est un choix de vie.”

  11. الاخ يعقوب اختيارتك للمواضعيع دائما مفاجئة أحسنت في الاختيار أجدت في السبك وتورعت بالاسناد المعلم يستحق منا أكثر من مقال واحترامناله أخذناه منه ويستحق الكثير والكثير ونريدمنه ونعول عليه شكرالك

  12. سرد متقن ونصوص جيدة ونكة مضحكة انت كما عودتنا أخى يعقوب جزيت خيرا وكفيت ضيرا

  13. د. الأنصارى

    بخ بخ أستاذنا يعقوب
    بحث أدبي رائع كم هو حال بحوثك ، نصوص نادرة تنشر لأول مرة. ونكت تجلى عن القلب الحزن، لكن مالفت انتباهى – و أنا الجديد على مهنة التدريس- هو اختصارك لرسالة ابن سحنون في فقرة قصيرة استخدمت فيها خمسة عشر فعلا ولم تلجأ إلى تكرار أي منها. فهذا يدل بوضوح على تمكنك من ناصية اللغة العربية. فتبارك الله ما شاء الله …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.