الرئيسية / مقالات / بحوث يعقوب بن عبد الله بن أبن / أخبار التود تبقى في القول

أخبار التود تبقى في القول

لكل مجتمع وسائله الترفيهية ورياضاته البدنية ، وقد عرفت موريتانيا رياضة بدنية كانت متداولة إلى عهد قريب. وقد اختفت نهائيا من الملاعب إلا أنها بقيت فى المجالس من خلال قطع شعرية يتجاذبها السامرون ويطرب لها متذوقوا الأدب الرفيع . هذه الرياضة هي ما يعرف محليا ب”تـَــوْدْ اجْلودْ” لكل مجتمع وسائله الترفيهية ورياضاته البدنية ، وقد عرفت موريتانيا رياضة بدنية كانت متداولة إلى عهد قريب. وقد اختفت نهائيا من الملاعب إلا أنها بقيت فى المجالس من خلال قطع شعرية يتجاذبها السامرون ويطرب لها متذوقوا الأدب الرفيع . هذه الرياضة هي ما يعرف محليا ب”تَـودْ اجْــلُودْ”
لم يبق من هذه الرياضة اليوم إلا ذكريات لدى الشيوخ أو بعضُ الأمثلة الشعبية تسمعها من حين لآخر فى الحديث اليومي مثل : “الكَـزْ وَاعِرْ” و “أَخْــبَارْ التـَّـودْ تـّبكَ فِى الكَودْ” الذى اخترناه عنوانا لهذا المقال مع تصحيف بسيط.
وبما أننى أنتمى إلى الجيل الذى حرم متعة الفرجة على هذه اللعبة وبالأحرى المشاركة فيها، فقد فكرت فى استنطاق بعض النصوص النادرة التى خلد فيها الشعراء لحظات الفوز، كما رسموا من خلالها لوحة لمباريات جمعتهم مع أكفاء أو أنداد لهم. وبعد قرائتى للنصوص لفت انتباهى أن اللعبة كان يمارسها علية القوم، و أن لاعبيها تتراوح أعمارهم عادة ما بين العشرين و الأربعين.
تصنع “التـَّـودُ” من نوع من النعل يسمى محليا ب”الكِــرْكْ” فإن لم يوجد فمن جلد البقر وخصوصا منطقة الجلد المحاذية للرقبة، وتقوم بخياطتها سيدة صناع اليد ويتم حشوها بالقماش ليسهل رميها ولا يزيد حجمها عن ملإ اليد الواحدة.يقول محمذ بن والد بن خالنا الأبهمي:
ترن إذا ما أوجع الضرب جلدها *** دوي الغضا أحناه هز الشـــــمائل
وهي تشبه كرة الغولف قليلا من حيث أن اللعب بها عصوي، فلابد لها من مقالى وهراوى . وتصنع تلك الصوالج محليا من الشجر الأخضر وخصوصا من شجر النبع ” إيمجيج” أو من السيال “الطلح” أو من القتاد “أيروار” .
إذا ضربوها بالصوالج حـــــلقت *** كما حلق العصفورخوف الأجادل

والمقالى “غَوْرَافَ”هي عصي تثقف وتعقف رؤوسها وقد تكون على شكل حرف اللام باللغة اللاتينية فتدعى محليا ب “المرفك” لشبهها بمرفق الإنسان. وقد تلون بلي لحائها عليها ليا قطريا ثم تحرق فيسود منها ما عدا ما تحت اللحاء.
بأيديهم بيض الهراوي كأنهم *** أولوا الحرب إلا أنها بالمناصل

وتجدر الإشارة إلى أن قوة المقلاء (واحدة المقالى) معين على الفوز لأنها قد تنكسر عن طريق ضرب عصي المنافسين،وفي ذلك يقول الشاعر النحرير واللاعب القدير محمد بن أبن الشقروى:
لعمرك ما مِقلاءُ عُوِّدَ عـُـــــودُها *** جِذابَ الكُرينَ النور حينَ تعـــــودُها
أقيمتْ ومُـــــلَّتْ واستُميلَ ثِقافُها *** على وجهة اليــــمنى فساغ عنودها
تخير من دوح من النبع غصنها *** فكانت كما يهوى ولا حت سعــودها
وبالقشر منها نمـــــقت غير أنها *** يسر الفتى إقبـــــــــالها وصدورها
وفي كل مــقلاء ملاقـــــــــية لها *** كوادح ضرب ما تـــــخان عهودها
يود الـــمبارى كسرها حسدا لها *** فكل فــــتى يأتى الكرين حســودها

أما الملعب فيكون غير بعيد من البئر على جرعاء سهل ممتد منقطع الرمل ودائما تكون هنالك نقطة انطلاق معروفة يتمايز الفريقان حولها، كما أن للملعب حدودا أيضا يعلمها الفريقان ويتم ترسيمها قبل بداية اللعبة يقول الشاعر الصالح محمذ بن والد بن خالنا الأبهمي :
تراهم على ما كان كل عشية *** يخبون نحو القاع حول المناهل
تنطلق المباراة عادة بعد صلاة العصر حيث تنزى الكرة بين الفريقين ويتسابقان إلى دهدهتها ، وينتج عن ذلك التدافع على الكرة ما يطلقون عليه محليا “غرتل” فإذا ما ساعد الحظ “رياظ” أحد الفريقين (وهو المدافع) بأن أوصل الكرة إلى “حواص فريقه” (وهو المهاجم) الذى دائما يكون فى موقف التسلل لكنه مشروع فى شريعة من قبلنا، فسيحاول الأخير بكل ما أتي من قوة وسرعة أن يصل بها إلى أبعد نقطقة فى حدود منافسيه، لكن الفريق المنافس لن يبقى متفرجا بل سيحاول صد الهجوم بجميع الطرق .
أما إذا فشل الأخير في صد “الحواص” عن طريقه وواصل دهدهة الكرة في نفس الاتجاه فإن الفوز قد تحقق من خلال تسجيل الهدف و عندها تنتهى المباراة عبر إطلاق حناجر الفريق الفائز بعبارة “وَاهَ واغْلبناهَ” وقد صور الشاعر الشقروي هذه الملحمة بقوله :
إذا احرنجم النادى عليها وقسمت *** وناحت نواحيها وشــــب وقودها
وجالت بها الفتيان شرقا ومغـربا *** وقد خيف فيها أن تــجاز حدودها
وخان مدهــــديها عواص عصيه *** و أيديهم تشكو العـــصي جلودها
ترى الكــــرة انقادت إليها كأنها *** تقاد وما إن ثم شــــــــيئ يــقودها
ويكثر في هذه اللعبة التدافع ويبدو أن الفريق الأكثر تحملا والأقوى بدنيا هو من يفوز في النهاية خصوصا إذا ما علمنا أن التدافع والعراك مسموح به مع غياب الحكم. يقول القاضى أحمد سالم بن سيد محمد الأبهمي:

أقسمت ب”البضل” و أم البركا *** وكل غار أتـــرعته علكا
أنا إذا ما شبكـــــــــــوها شبكا *** نطعنهم مخلوجة وسلكى
و أن دون غلـــــــبنا لَعركا

ويصف الشيخ باب بن الشيخ سيديا سير المباراة ومسار الكرة فى جميع الاتجاهات وحالة التعب والأين التى يصل إليها اللاعبون في آخر المباراة بقوله :
قد أبصر الناس قاريها وباديــــها *** ورائحــوها وغاديها وســـــــــاريها
لما تعطى المقالى بيــــــــننا كرة *** إذ أشأمت وهي في أقــصى تدهديها
طورا تسير على الوعساء هاوية *** عن الدلاء وخانــــــــــــتها عراقيها
وتارة مثل ما مر الجهــام ضحى *** وعاصف من رياح الصيف حاديها
وراح أكثرنا تيــــــــها قبيل وغى *** أقلنا بعد ما كان الوغى تيــــــــــها
ومل كل فتى مقـــــــــــلاءه وقلى **** كل الكماة على عجز مقـــــــاليها

أما كيفية تكوين الفرق فتتم من خلال ما يسمى محليا بالأعصار وهم الشباب الذين تجمعهم نفس الفئات العمرية، لكن الفريق الواحد قد يتكون من أكثر من عصر فينضم إلى كل عصر “نعريته” وهم أعضاء العصر غير المواليين له في الترتيب التنازلي للأعصار.
لهم كرة فيها التنازع بينهم *** وكل لمولى نصره غير خاذل
ودائما يكون فوز بعض الأعصار فى نهاية المباريات مناسبة شعرية يفتخر فيها الغالبون ويعتذر فبها المغلوبون ويتوعدون بعقاب يوم مفسد. يقول ول أبنو أيضا:

قد شاع في الناس بل فى الصحف قد كتبا *** أن “المغافر” و “الأجواد” قد غلبا
ومن على غلـــــــــــــبه الأقوام قد شهدت *** لم يستطع – أبدا- لهوا ولا لـــعبا

ومن أطرف تلك السجالات ذلك السجال الشعبي الذى جمع الأديب الشاعر محمد بن امو مع القاضى أحمد سالم بن سيد محمد في نهاية مباراة جمعت عصر الوسط بالهمال في انيفرار.
و رغم ما لهذه النصوص من قيمة فنية و أدبية فقد صورت لنا وبلغة مفهومة مجريات المباريات وكيفية اختيار اللاعبين وحتى طريقة لعب كل عضو فى الفريق.
وقد كان السبب المباشر لهذا “لكطاع” كاف للأديب ول ألما بن امَّــنِّ لم نتمكن من العثور عليه إلا أنه انتصر فيه لعصر الوسط الشيء الذى لم يرق لعصر الهمال وهو ما عبر عنه الأديب محمد بن امو بقوله :

الْكَزْ الِّ مِــــــنُّ مَعْــهُودْ *** أَمْــــــــنَادمْ يَجْبَ شُورْ الْكَودْ
سَاكِتْ فمُّ وِعُــودْ التَّـــودْ *** يَغْلَبهَ وِامْكَــــــــــصَّفْ لِكْلامْ
ِولِّ خَــاطِيهْ إدورْ إِكُــودْ *** إِلْ شِ شَيْنْ أُكِشــــفَ وِحْرامْ

وَمَّّ هُوَّ يَمْ اتْسَـــــــوْحِيلْ *** وِتْكَــــــــــافِ هُوَّ وِا سْتَكْبيلْ
فِاتَّودْ أُعِزِّتْ شِ ثَــــقِيلْ *** وِتْمَـــــجْدِيلْ الزَّينْ ابْلِـــحْزَامْ
أُتِطْرَاكْ اللِّسْنَ وِاسْــبِيلْ *** اللِّسْـــــنَ وِاخْـصَارِتْ لِكــْلامْ
فِتْنَ طَينَاهُمْ دَهْرْ اطْويلْ *** أُلاَ رَيْنَ فِيـــــــــهُمْ كـَاعْ الهَامْ

أّمَّانَ يَكَــــــــــومْ الْفُتيانْ *** لُلالِ عَنْ فِيـــــــــكُمْ لَـعْـــظَامْ
انْكُولِلــْــكُمْ شِمْنْ الكِفَانْ *** إِنَسُّ فِاتـــَّودْ أُلِخْـــــــــــــــيَامْ

فأجابه الشاعر أحمد سالم بن سيد محمد عن عصر الوسط بقوله:

لاَ يِنفِشْـــــــــنَ فِاتَّودْ إِحْنَ *** كِلْ اعْشـِـــــــــيَّ بِيهَ رِحْنَ
أُهَاذِى عَادِتْنَ كِـــــلْ إِسْنَ *** آلا نَعِــــــــرْفُ شِنْهِ عِلِّتهُمْ
يَكَانْ العِلَّ كِــــــــــــثْرِتْنَ *** وَللَّ عـِــــــــــــــلِّتهُمْ كِلِّتهُمْ
يَكُونْ الِّ لَجَــــــــاوْ أَثْنينْ *** مِنَّ وِعُودُ مِجْـــــــــــتَمْعِينْ
كَمْ أَهــــيهْ إِصَّ مِنْعكدينْ *** يَكِـــــــــــــبْظُوهَ مِنْ كِبْلتهُمْ
أُيـِــــــــمْشُ بِيهَ زَادْ إِلَينْ *** تَلْ الكَــــــــودْ إِعْلَ عَجْلِتهُمْ
أُهَاذِى لِمـْــــــــسَالَ دَلتنَ *** عَنْ عِلـِّــــــــتْهُم مِنْ فَعْلِتهُمْ
مَا عِلُّتـــــــهُمْ مِنْ كِثرِتْنَ *** ألَاَعِلـِّــــــــــــتْهُمْ مِنْ كِلِّتهُمْ

بقلم : يعقوب بن عبدالله بن أبن

المصادر:
1.حياة موريتانيا/ الجزء الثانى الحياة الثقافية/ المختار بن حامد
2.ديوان محمد بن أبن بن احميدا
3. جيدة السبك في أخبار العلك. محمدفال بن عبد اللطيف
4. مقابلة مع الشيخ بيباه بن أحمدسالم بن بيباه فى انواكشوط بتاريخ: 02 غشت 2013
5.مقابلة مع عدد من اللاعبين السابقين لكرة الغورافة

شاهد أيضاً

فتح مكة غزوة رمضانية… يعقوب بن عبدالله بن أبــــن

بدر الكبرى هي أول معركة قتالية جمعت الرسول صلوات الله وسلامه عليه و أصحابه مع ...

14 تعليق

  1. زاوي شمشوي

    أجدت أخي يعقوب،كما عودتنا

  2. هذا اتبارك الله زين او واعر الله اطول اف عمرك

  3. حمبيب بن كراي

    موضوع شيق اذكر فيه ايضا مساجلة بين اولاد دمب واولاد صمب عصرين من اهل ابيرالتورس

    يقول محمدباب ول محمذباب من اولاد دمب

    بلبركه والشركه تنعد “” كزازت كومــك يلنقـصد
    افلان افلان اذاك الحد “” ما فــيهم واحد يخطـاه
    ما كام ابيــبي ورشد “” والكــفه تنــهز اواه

    فاجابه كراي باسم اولاد صمب

    لحك للعصر ال مردود “” زين اغناه الاه مجحود
    عن مانبغ كز التود “” كن وكـــــتن كزيناه
    يامس وصوبن فالكود “” كلن واه واغلــبناه
    الارشد فــيه من حد “” الافـــين كزاز اخطاه
    والغالب لكام ارشد “” ماه شيـــن وابمعناه

  4. سيداحمد بن الأمير

    رائع جدا عزيزي يعقوب لا شلت يداك.. هذا موضوع متميز وقد أحطت به إحاطة شاملة وقرأته كما ينبغي.. وعلى ذكر الكرة ولعبها يأتي كاف الأديب الأريب امحمد رحمه الله رحمة واسعة كأحسن ما قيل:
    نعرف عن كومي ما اتخاف :: من حد افكز الكورَ
    أنعرف عن حد اكبيل شاف :: اعوينات المشعورَ
    ما ينساهم والكاف كافْ :: أمحمل لاحمد يورَ

  5. محمد محمود ولد عيسى

    تقرير متميز ككل تقاريرك واتحفتنا فيه بالكثير من المصطلحات التودية التي لم نسمعها من قبل ولا يخلو من طرافة ايضا ، تحياتي

  6. د : القطب الأنصاري

    مقال ممتع ومفيد بارك الله فيك صديقي العزيز يعقوب ، أظهرقدرتك الفذة على تتبع جزئيات الموضوع رغم صعوبته ورغم ان ” الكز واعر ” هههه ومع ذلك فقد كززت هذه المقالة ما شاء الله وان بعد امرشحك للكاس ، لك تحياتي الخالصة ودمت متميزا

  7. باركلل ولد دداه

    ترن إذا ما أوجع الضرب جلدها** دوي الغضا أحناه هز الشـــــمائل”
    إذا ضربوها بالصوالج حـــــلقت *** كما حلق العصفورخوف الأجادل ,,,,,,,,,
    ما أحسن هذا
    بحث قيِّم و مشوق ، بارك لله فيك

  8. مقال رائع شكرا لك أستاذنا يعقوب

  9. محمدن بن عبدالله بن مناح رحم الله السلف وباركفي الخلف.

    واها واها ، لك يا يعقوب فقد أجدت وأفدت ،وذلك عهدي بك فإن تعد الكرة في المو ضوع ، بالبحث عن أخبار [التود]،وستعرف أنها
    توجد في كثبان أنيفرار وغيره ، وأن المثل ،في محله لكن ليس من الناحية الثقافية ولا التاريخية المجردة، فستجد، ما يغذي حلقات ،وحلقات من الأدبين الشعبي ،والفصيح ، فواصل البحث، واسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ، وأهل الذكر في هذا الفن ،هم أربابالذاكرة الراسخة ،ـ ولا زالو اموجودين ونحن مع الله في عونكم وشكرا أخوكم المتصفح المشارك والسلام .

  10. “الى ال عاد الكز واعر حت ذ النوع من لخبار واعر اجبار ؤ نادر” فلك حزيل الشكر اخى يعقوب وحزاك الله خيرا وكفاك ضيرا

  11. يعقوب مقالك ذ مكزوز لا تبخل علينا بمثله

  12. هذا الموضوع متميز
    هنئك عليه واتمنى تحديثه باستمرار بما نحصل عليه من شعر او قصص تؤرخ لبعض الصدامات التى حدثت بسبب هذه اللعبة وجرت او كادت نجر حروبا

  13. أجدت وأفدت كعادتك بارك الله فيك والحمد لله على رجوع الموقع لنشاطه المعتاد بعد إجازته الصيفية الطويييلة.
    ومما يتعلق بأدب “التود” قول العلامة الأديب الأستاذ حمدا بن التاه في قصيدته التي يرثي بها القاضي أحمد سالم بن سيد محمد بن الشيخ رحمه الله:
    ….. والكُوم تنحر والموائد نهبة ** والضيف يكرم والأرامل ترفد
    وترى رجال الحي خلف خيامهم ** كرة تفرق جمعهم وتوحد
    أنت الذي أخرجتها من بينهم ** وترى إماء الحي وهي تزغرد
    يندبن فيك فتى العشيرة كلها ** وعلى ابن ديد من الثناء يمجد …

  14. اسكي حت أبدعت يا يعقوب ورحم الله الوسط والهمال يبدو أنه كان كلاسيكو ساخنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.