الرئيسية / على الهامش / المنافرات والمناظرات

المنافرات والمناظرات

كنا في حلقاتنا الماضية قد ألممنا ببعض المناظرات الشعرية واليوم نواصل في جانب المنافرات في الحسب والنسب و الشجاعة وغيرها مما كان ميزة للرئيس في العهد الجاهلي ، ومن خصائص هذه المنافرات أن لها تداعيات مادية ومعنوية وبمعنى ابسط كان الغالب فيها له القول الفصل في كل صغيرة وكبيرة عندما ينطق الحكم بانه هو المنفر على منافسه في كل الميادين.كنا في حلقاتنا الماضية قد ألممنا ببعض المناظرات الشعرية واليوم نواصل في جانب المنافرات في الحسب والنسب و الشجاعة وغيرها مما كان ميزة للرئيس في العهد الجاهلي ، ومن خصائص هذه المنافرات أن لها تداعيات مادية ومعنوية وبمعنى أبسط كان الغالب فيها له القول الفصل في كل صغيرة وكبيرة عندما ينطق الحكم بانه هو المنفر على منافسه في كل الميادين ، وبالمقابل يخضع المحكوم عليه لتبعات مادية ومعنوية وربما توضع شروط في المنافرة قاسية . وكان محل هذه المنافرات سوق عكاظ : وهو من المواسم المعروفة لدى العرب من قديم الزمان وهي بلدة معروفة تقع في واد على مسيرة ليلة من الطائف في جهة نخلة وبينها مع مكة مسيرة ثلاث ليال على طريق صنعاء . وانما سميت عكاظ لأن الناس كانوا يجتمعون فيها من كل حدب وصوب ويتعاكظون أي يتدافعون لكثرة زوارها وكانت من أكبر أسواق الجزيرة العربية يتوافد اليها جميع أهل المحل والنحل وتعرض فيها البضائع والأشعار وكان موسمها من عاشر ذي القعدة إلى نهايته وقد نتجت عن منافراتها حروب من بينها حرب الفجار وكان اكثر المحكمين فيها عدا الكهنة المعروفين ، معظمهم من بني تميم لكونهم يسكنون حولها ولكثرة الفطنة والذكاء .ويجدر بنا أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد بعثته قد قدم عليها ليجد من يوازره ليبلغ دعوة ربه ومنها ذهب الى الطائف كما ورد في كتب السير المعتمدة ، وكان صلى الله عليه وسلم
في مرة أخرى لقي بها قس بن ساعدة الأيادي الحنيفي دينا وكان يخطب الناس ويعظهم وقد حفظ الرسول صلى الله عليه وسلم مقاله عدا الشعر لقوله تعالى ( وما علمناه الشعر وما ينبغي له … الاية من سورة يس )
ونشير هنا الى ان قريشا كانت تمنع حضور موسم عكاظ لغير المحرمين قبل بداية أشهر الحج حتى جاء الاسلام ونزل في القرآن : الحج اشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج … الخ

من أطرف هذه المنافرات ما وقع بين عامر بن الطفيل وابن عمه علقمة بن علاثة من بكر هوازن ويجتمعان في جعفر بن كلاب الجد الخامس للأول والرابع للثاني وكان موضوع منافرتهما الشرف والمكانة الاجتماعية في قومهم وفي العرب ، وكان عامر بن الطفيل يرى لنفسه الفضل والسيادة في العرب كلها ولا أدل على ذلك من قوله عندما جاء وافدا مع قومه يريد ان يسلم فيما بعد : انه لن يسلم حتى تكون له سيادة أهل الوبر وللرسول صلى الله عليه وسلم سيادة أهل المدر ولم يسلم اّنذاك فكيف يرضى من هذا قدر كبره بان يتماثل مع ابن عمه ولكن ظروف المنافرة وموضوعيتها سارت نحو الاسوإ عندما تقاذعا باقبح الكلام عدة مرات كل يسب صاحبه ويقدح في نسب اعمامه واّخر حلقات هذه المنافرات قول علقمة لعامر على ما ذا تنافرني يا عامر . قال عامر انافرك على انني انحر منك للقاح وخير منك في الصباح قال علقمة والله انك لكليل البصر نكد النظر وثاب على جاراتك بالسحر . ثم اجتمع الى الرجلين اقوامهم فقال بنو خالد بن جعفر وكانوا مع بني الاحوص على بني مالك بن جعفر ( رهط عامر ) انك يا علقمة لن تطيق عامرا ولكن قل له انافرك بخيرنا واقربنا الى الخيرات ثم اتفقوا على مائة من الابل مضمومة لاخرى احداهما للحكم والثانية للمحكوم له تخرج من مال المحكوم عليه ثم وضعوا رهنا من ابنائهم عند رجل من بني الوحيد للوفاء وخرج علقمة في من معه من بني خالد وخرج عامر في من معه من بني مالك وقد اتى عامر ين الطفيل عمه عامر بن مالك المشهور بملاعب الاسنة وقال يا عماه اعني فقال يابن اخي سبني فقال لا أسبك وأنت عمي قال فسب الأحوص ولا أسب الأحوص وهو عمي فقال فكيف اذن اعينك ؟ ولكن دونك نعلي هذه فإني قد ربعت فيها اربعين مرباعا فاستعن بها في نفارك وكان ملاعب الاسنة عامر بن مالك سيد قومه بلا منازع وكان السيد ياخذ ربع الغنيمة وذلك معنى اشارته الى النعل والمرباع . وكان مع عامر بن الطفيل شاعران من شعراء المعلقات هما لبيد بن ربيعة العامري والصحابي فيما بعد والأعشى بن قيس المعروف باعشى قيس .وكان مع علقمة الشاعر العبسي المعروف بالهجاء والمشهور بالحطيئة وكان صديقا لعلقمة وكان يكرمه ويرفده .
واتجه الجمع الى مكة ليحكموا بينهم قريشا قبل الإسلام فأبوا ان يحكموا بينهم ثم اتجهوا الى عيينة بن حصن الذبياني وأبى ان يحكم بينهما ثم اتجها الى غيلان بن سلمة الثقفي فردهما الى حرملة بن الاشعر المري فردهما بدوره الى هرم بن قطبة بن سنان الفزاري الصحابي لاحقا فنزلا به واجتمع القوم اليه فقال لهما لعمري لاحكمن بينكما ثم لافصلن ثم اني لا اثق بواحد منكما فاعطياني موثقا اطمان اليه بان ترضيا بما اقول وتسلما بما اقضي به ثم امرهما بالانصراف الى العام القابل .
ثم مع طول الزمن ندما على منافرتهما وكانت لذلك ردات فعل شعرية منها قول عامر بن الطفيل :
[| [(

أأومر ان أسب أبا شريــــح ۞ولا والله افعل ما حييت

ولا اهدي الى هرم لقاحـــا۞فيحيي بعد ذلك او يميت

اكلف سعي لقمان ابن عـاد۞فيالأبــي شريح ما لقيت )] |] ومنها قول عمر بن شريح بن الاحوص
[| [( لحى الله وفدينا وما ارتحلا به۞ من السواة الباقي عليهم وبالها )] |] وقول لبيد بن ربيعة في الطرف الثاني
[| [(

ولما دعاني عامر لاسبهـــــــم۞ابيت وان كان ابن عيناء ظالما

لكي ما يكون السندري كديدتي۞واشتـــــم اعماما عموما عمائما

وأنشر من تحت القبور أبـــوة۞كـــــراما هم شدوا على التمائما

لعبت على اكتافهم وحجورهـم۞وليدا وسموني نصيرا وعاصما

ألا أينا ماكان شرا لمـــــــالك۞ فلا زال فـي الدنيا ملوما ولائما . )] |] ثم انهم اجتمعوا في الموعد لدي هرم بن قطبة وكل يطالب مناصروه قطبة بتنفبره على صاحبه .
قال الحطيئة :
[| [(

ياعام قد كنت ذا باع ومكرمـــــة۞ لو أن مسعاة من جاريته امم

جاريت قرما أجاد الأحوصان به۞سمح اليدين وفي عرنينه شمم )] |] وقام لبيد بن ربيعة فقال :
[| [(
يا هرم بن الأكرمين منصبــــــا ۞انك قد وليت حكما معجبا

فاحكم وصوب رأس من تصوبا ۞ بــــخيرنا عما واما وابا
فعامر أدنى لقيس نسبا …..
)] |] ثم ان هرما أرسل الى بنيه و بني أبيه وأخبرهم أنه قد حبس الطرفين شهرا وأنه سيحكم بينهما غدا وأمرهم أن ياخذوا عشر جزور لتنحر في مخيم علقمة و عشرا لحي عامر عندما يصدر حكمه ثم انه أرسل في هذه الأثناء أرسل الى عامر سرا وقال له يا عامر قد كنت أرى لك رأيا وأن فيك خيرا وما حبستك هذه الايام الا لتنصرف عن صاحبك كيف تنافر رجلا لا تفخر انت وقومك الا بآبائه فما الذي أنت به خير منه ؟ قال عامرأنشدك الله والرحم أن لا تفضل علي علقمة فوالله لئن فعلت لا أفلح بعدها ابدا هذه ناصيتي فجزها واحتكم في مالي وان كنت ولا بد فاعلا فسو بيننا فقال له انصرف يا عامر فسوف أرى فيك رأيي فذهب عامروهو لا يشك أن هرما سينفر عليه علقمة ثم أرسل الى علقمة سرا وقال له نفس القول الذي قاله لعامر واجابه علقمة نفس الجواب الذي دار بينه مع عامر ثم قال له انصرف يا علقمة فسوف أرى رأيي فيك ثم امر هرم بنيه وبني ابيه ان يفرقوا بين الفريقين وان يطردوا عشر جزور الى حي عامر و عشرا الى حي علقمة
لتنحر بعد نطقه بالحكم فقام هرم فقال :
يا بني جعفر قد تحاكمتما عندي وأنتما كركبتي البعير الأدرم ( السمين ) تقعان على الارض معا وليس فيكم أحد إلا وفيه ما ليس في صاحبه وكلكم سيد كريم وأمر كما سبق بنحر الجزور عشرا عن عامر وعشرا عن علقمة وتفرق الناس بدون شحناء راضين بحكمه لشدة ذكائه .
تعليق : قد عاش هرم بن قطبة الفزاري الصحابي حتى أدرك خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكان من جلسائه وقد سأله يوما عن القصة قائلا يا هرم أي الرجلين كنت مفضلا لو فضلت ؟ فقال هرم رضي الله عنه لو قلت ذلك يا أمير المومنين لعادت جذعة ولبلغت شعاف هجر فقال عمر رضي الله عنه نعم مستودع السر ومسند الامر اليه أنت يا هرم مثل هذا فليسد العشيرة ثم قال له إلى مثلك فليستبضع القوم أحكامهم .
يتواصل بإذن الله

محمدن بن عبد الله

2 تعليقان

  1. أسك الملك دعواتك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.